٢٧ سبتمبر ٢٠٠٥

مختارات من مربعات ابن عروس من الشعر الشعبي

أنا باوَحِّد اللي خلق الناس
خلق مسلمين ونصارى
وناس نامت على فَرش وِكْناس
وناس ع المعايش حيارى

طبيب الجرايح قوم اِلحق
وهات لي الدوا اللي يوافق
فيه ناس كتير بتعرف الحق
ولاجل الضرورة توافق

فَرَطت قِلعِي ما جانيش ريح
وعاودت ع البَر ناوي
ياما ناس زيِّنا مجاريح
لكين صابرة ع البلاوي

سكت الهَوى والناموس طار
والسبع طاطا بعينه
خليه دا النومِ أستار *
لما الكلب ياخد يومينه

شوف الزمان انتهت عَدَليه
وادي البُطْل ع الحق راكِب
جه السبع يُطلُب عدليه
لَقَي الهِلف ع التخت راكب

يا قلبي إوعى تعاشر الدُون
ولا تكلِّمُه بالاشتراحة
تكلمه الكلامِ موزون
تلقاه يرد بقباحة

جاني طبيبي مع العصر
وف إيده ماسك عصاية
اتاري طبيبي قليل أصل
من خصمي جابلي الوصاية

كلام الغَرَابا حِمِلناه
فات علينا كما ريح هاوي
كلام القرابا إخ منَّاه
وياجي فوق فرش الكلاوي

إوعى تقول للندل يا عم
ولوكان على السرج راكب
ولا حد خالي من الهم
حتى قلوع المراكب

ولابد من يوم محتوم
تترد فيه المظالم
أبيض على كل مظلوم
أسوَد على كل ظالم

غربي بلدنا بلد سيح
وادي الهِلف ماشي ورانا
مش عيب كراسي التماسيح
تقعد عليها "الوِرانا"؟*

أستار: ستائر
الورانا: جمع "ورل" – حيوان صحراوي يشبه التمساح
إضافة:
خشب المراكب من السنط
في البحر ياخد مهاجه
واجب ع الحر يلزم الصمت
لَمَا الهِلف ياخد مهاجه

٢٠ سبتمبر ٢٠٠٥

حالة!!

الناقد الفذ الأستاذ إبليس،

بخصوص رأيك في أحمد حداد لا يسعني إلا أن أشكرك على تقييمك القيم ورأيك المتميز وتوجيهاتك الثمينة وبهذه المناسبة اسمحلي أن أهدي لك تلك القصيدة الآتية من "السلالة المقدسة"

١٨ سبتمبر ٢٠٠٥

أحمد حداد في الجنينة

الناس كلها سهرانة *
فايقة لكن سكرانة
بتقول حكايات وتصهلل
تشرب ينسون وتجلجل
في ممر الشاي الهندي
كام جزمة وكام عكاز
كام طفلة وشيخ وأفندي
وبنات على وش جواز
وبنات على وش بزاز
بتأني شديد باصين
على فساتين الفتارين
دوٌرت عليه مالقيته
وقابلته في شارع عدلي
فتح الجرنال و قعدلي
وعزمت عليه بسجارة
زحزح طرف النضٌارة
قال لي تشكر وأشوفك
ع الساعة اتناشر عندي
في ممر الشاي الهندي
.
"ما انتهاش" عنوان الأمسية الشعرية الغنائية التي يقدمها أحمد حداد الخميس 22 سبتمبر على مسرح الجنينة بحديقة الأزهر .
أحمد حداد واحد من أبرز شعراء العامية الشبان و له ديوان بعنوان "الورد اللي بيطلع" و ديوانان تحت الطبع.
يشارك في الإلقاء الشعري آية محمود حميدة و عمر جاهين.
الأغاني التي تضمها الأمسية من ألحان و غناء الفنان محمد عزت بمصاحبة فرقة البنادرة التي اشتهرت بتقديم أغاني الفولكلور وأغان عديدة أخرى لأهم شعراء العامية المصرية.
الأمسية من اخراج رشدي الشامي.
.
* الأبيات من قصيدة "ممر الشاي الهندي" لأحمد حداد
القصيدة كاملة هنا

١٥ سبتمبر ٢٠٠٥

عبد الحق ينتقل إلى الشارع السياسي


بالرغم من أنه كان مآنسني ومنورني هنا :) .. قرر عبد الحق أن يشارك عمرو الكتابة في مدونة الشارع السياسي ليكون لديه المساحة لعرض أفكاره بوضوح. وقد سمح لي مشكوراً أن أضع مقدمة موضوعه القادم هنا لكي لا نفقد خيط النقاش. ويمكنكم متابعة كتاباته فيما بعد في الشارع السياسي.

يقول عبد الحق:


أشعر هذه المرة أن مهمتي ليست سهلة.

مطلوب مني أن أرد على محاور يقول:
"عايز تبقى الإدانة للفعل بغض النظر عن مرتكبه، مش مجرد تغذية لمشاعر الشوفينية والكسل الأخلاقي أو إننا نقعد مرتاحين نمدح أنفسنا وماضينا وتاريخنا ونشيطن اللي مختلفين معاه: هو الشيطان الأكبر نبقى أحنا الملايكة".
ومحاور آخر يشير إلى ما جاء في كلامي حين قلت: "إحنا عمرنا ما قلنا، على الأقل في التاريخ الحديث، إننا العنصر المتفوق. عمرنا ما قلنا "العرب فوق الجميع" ، ولا إننا "شعب الله المختار".

ثم يضيف معلّقًا على كلامي:
"لو كنت تقصد بـ "إحنا" العرب والمسلين في مجمل تاريخهم، فأنا أسجل اعتراضي الشديد على الكلام ده".
ثم يعود المحاور نفسه ليقول في مداخلة أخرى:
"تاريخنا كعرب ومسلمين مليان بالدماء (أو على الأقل أنا مؤمن بكده) زي كل الأمبراطوريات الكبيرة، من أول عهود دخول المسلمين الأوائل للبلاد فيما نسميه فتح ويسميه الأخرون غزوا".
محاور ثالث يقول:
"استمرارنا في النظر للصراع مع الغرب (ومع الأقليات أو الأكثريات بين ظهرانينا) بصفتنا عربا ومسلمين لم ولن يؤدي بنا سنتيمترا واحدا للأمام. لابد من نظرة عالمية جديدة ومن الإيمان بمنطق الاستضعاف الذي دفع محمد علي للرضوخ إلى مطالب عصابة من 4 أو 5 دول.. وكان يمكن في هذه الحالة أن نفوق اليابان اليوم".
وقد أغرتني هذه الأفكار التي طرحها المحاور الثالث بأن أسعى لأعرف المزيد عن رؤيته وتصوراته، فوجدته يقول في مدونة له:
"العالم الثالث تتقدمه مصر مقبل على كوارث سوداء والأمل الوحيد هو نظرة عطف إنساني من العالم الأول".
هناك، دون شك، قدر من التباين والاختلاف بين رؤى المحاورين الثلاثة.

ومع ذلك، يظل هناك أيضا، في اعتقادي، خيط مشترك واضح يسري في أفكارهم جميعا.

ما هذا الخيط المشترك؟

هذا الخيط المشترك هو غياب الحس التاريخي.

المحاور الأول يقول "عايز تبقى الإدانة للفعل بغض النظر عن مرتكبه". وواضح أنه يريد أن يُجرد الفعل تماما من أي سياق زمني أو مكاني، لا يُهمه أن يكون الفعل قد أُرتكب من عشرة قرون أو قرنين أو أُرتكب في الوقت الحاضر، كما يريد أن يجرده من القيم والأعراف والتقاليد السائدة وقت ارتكابه، بل وأكثر من ذلك يريد أن يُجرد الفعل من ملابساته ودوافعه. هل الذي قَتَل، مثلا، قَتَل مع سبق الإصرار والترصد؟ هل هو شجار أفضى إلى قَتْل؟ هل كان القتل دفاعا عن النفس؟ هل هناك ظروف تستدعي تخفيف العقوبة؟ وهذا في القانون والقضاء، فما بالك بالتاريخ الأشد تعقيدا والممتد قرونا طويلة؟ لكن محاورنا لا يأبه بالتاريخ ولا بالظروف التي أحاطت بـ"الفعل"، بل يُريد أن يُدينه "بغض النظر عن مُرتكبه".

المحاور الثاني يُلخص تاريخ العرب والمسلمين على مدى أربعة عشر قرنا كاملة في جملة واحدة: "تاريخنا كعرب ومسلمين مليان بالدماء.." هكذا دون أي اعتبار للمراحل الزمنية التي جرت فيها أحداث ذلك التاريخ، دون أي تصور واضح لصورة العالم الذي جرت فيه تلك الأحداث، ودون أي مقارنة – على الأقل – بين ’الإمبراطورية العربية’ والإمبراطوريتين الرومانية والفارسية اللتين سبقتاها في المنطقة، وبإهدار كامل لأي إنجازات أو لأي إسهام حضاري قدمه العرب والمسلمون. "تاريخنا كعرب ومسلمين مليان بالدماء"، وانتهى الأمر وكان الله يحب المحسنين.

المحاور الثالث يقول صراحة: "استمرارنا في النظر للصراع مع الغرب (ومع الأقليات أو الأكثريات بين ظهرانينا) بصفتنا عرب ومسلمين لم ولن يؤدي بنا سنتيمترا واحدا للأمام". طيب. كيف نستمر؟ وبأي صفة؟ هل لنا صفة أخرى غير أننا عرب تؤمن غالبيتنا بالإسلام؟ (يجب أن يكون واضحا منذ البداية أنني حين أتحدث عن العرب لا أفرق بين عربي مسلم وعربي مسيحي وأنني مدرك تماما لقيمة وأهمية إسهام المسيحيين العرب كجزء لا يتجزأ من النسيج العربي). أعود لأسأل: هل المطلوب منا – هنا والآن – أن نقطع جذورنا تماما، أن نلغي التاريخ والجغرافيا؟ أن نبدأ صفحة جديدة تماما، نتبرأ فيها من كل تاريخنا وماضينا؟ هل هذا ممكن؟ هل حدث في أي مكان آخر؟

ماذا يتبقى لنا إذا ما انحلت عُرى النسيج الضامّ الذي يجمعنا، هل نتحول إلى جزر منعزلة وذرات متصادمة هائمة في الهواء؟

أعرف أن معتقدات الشعوب ورؤيتها للعالم تتغير. ولكن هذا التغير - الذي يستغرق بالضرورة مدة زمنية قد تَطُول أو تَقْصُر – يجب أن يبدأ من نقطة معينة، يجب أن يبدأ من بُقعة محدودة في العالم (جغرافيا) ومن تاريخ محدد. لا فكاك من الجغرافيا والتاريخ، ولا وجود لصفحات بيضاء في تاريخ الشعوب.

أعرف أن واقعنا العربي الراهن فيه الكثير مما يدعو إلى الإحباط والغضب. ولكن علينا – إذا كنا جادين في محاولة تغييره إلى الأحسن – أن نبدأ منه كما هو. أن نبدأ من أهلنا وناسنا كما هم. بدون استعلاء عليهم أو هروب إلى مسارات وسراديب وهمية مقطوعة الصلة بالواقع.

هل نريد إبداع رؤية جديدة أو نظرة جديدة؟ ليس هناك إبداع بدون جذور.. ليس هناك إبداع بدون "نحن" تكون هي المنبع والمصب. المفكر حين يُبدع يستجيب لاحتياج معين يطرحه عليه مجتمعه وعصره ثم يعود بإبداعه إلى الـ "نحن". الشاعر حين يبدع قصيدة لا يكتمل إبداعه إلا بالعودة إلى الـ "نحن". المخترع.. العالم.. الفنان .. كلهم منطلقهم ومرجعيتهم هي الـ "نحن". (للدكتور «مصطفى سويف» دراسة قيّمة حول هذا الموضوع بعنوان "الأسس النفسية للإبداع الفني").

لكنني، بعد هذا كله لا أُريد أن أظلم محاوريّ الثلاثة، فغياب ما أسميته بـ "الحس التاريخي" ظاهرة عامة يشكو منها المؤرخون الآن، لا في بلادنا فحسب، بل في "العالم المتقدم" أيضا. وهكذا نجد، على سبيل المثال، مؤرخا كبيرا مثل «إريك هوبسباوم»، يقول في مستهل كتابه عن تاريخ القرن العشرين: "إن تدمير الماضي، أو بالأحرى الميكانيزمات الاجتماعية التي تربط التجربة المعاصرة بتجربة الأجيال السابقة، هو ظاهرة من أهم الظواهر المميزة والغريبة في أواخر القرن العشرين، فمعظم الشبان والشابات في نهاية القرن درجوا على العيش في نوع من الحاضر الدائم يفتقر إلى أي صلة بالماضي العام للعصر الذي يعيشون فيه".
[Eric Hobsbawm, Age of Extremes: The Short Twentieth Century, Abacus, 1997, p. 3.]

لا أريد أن أظلمهم أيضا لأنني أعلم أن الواقع الذي نعيشه لا يغري كثيرا بالعودة إلى التاريخ، ولأنني أدرك أننا نعيش في عصر "الصورة" التي تُبهر أنظارنا بالحدث الراهن وتُغذي فينا الوهم بـ "الحاضر الدائم"، وأدرك فوق ذلك أن الكتب باهظة الثمن بعيدة عن متناولنا، وربما كانت بسبيلها إلى أن تصبح "موضة قديمة" وظاهرة منقرضة.

أقول مرة أخرى إن مهمتي صعبة.

ولكنني أُقدم عليها مؤمنا بجدواها، ساعيا قدر طاقتي إلى إقناع محاوريّ الثلاثة، مُسلما بأهمية ما يقولونه وأهمية الرد عليه. لا تُراودني أدنى رغبة في الظَفَر الرخيص أو فرض الرأي، فنحن نتحاور والحوار أخذٌ ورد. ولست أنكر عليهم فضلهم في دفعي إلى إمعان الفِكر ومُراجعة الرأي وصقل التصورات.

وأود أن أوضح من البداية أنني لا استهدف بمناقشتي أشخاصا معينين. وقد عمدت إلى عدم الإشارة إلى عناوين مدونات محاوريّ الثلاثة حرصا على ألا تتخذ المناقشة طابعا شخصيا، وألا يُشتمَّ منها أي انتقاد أو تجريح شخصي.

كل ما أرجوه الآن هو أن يستقبلوا كلامي برحابة صدر وأن يجد الجهد الذي بذلته صدى عندهم، وأن ينتظروني حتى أُتم حديثي الطويل جدا هذه المرة - فأنا مُطالب بالنظر في أربعة عشر قرنا من الزمان – ليطرحوا بعد ذلك كل ما يعن لهم من أسئلة واعتراضات، حتى لا تتشتت المناقشة ويضيع خيط الحوار، وأنا عندئذ تحت الأمر ورهن الإشارة.

لا أرتاب في نوايا أحد ولا أُفتش في الضمائر. فالناس عندي – كما كانوا عند شاعرنا الكبير «فؤاد حداد» "اثنان: الصادقون والمشتاقون إلى الصدق، الطيبون والمتلهفون إلى الطيب".

أرجو أن أكون عند حُسن الظن.


والحديث متصــــل ..

٢٩ أغسطس ٢٠٠٥

من "يُشيطن" من؟


نظرا لأهمية النقاش الدائر حول موضوعي السابق قررت نشر آخر تعليق للأستاذ عبد الحق مستقلا هنا لعموم الفائدة. أتمنى أن تجدوه مثلي مفيداً ومثمراً وأن يستمر هذا الحوار البناء.

يقول عبد الحق:


لنتفق أولاً على مبدأ هو: أن ننظر إلى أي ظاهرة اجتماعية أو سياسية أو إيديولوجية في إطارها التاريخي... مفيش ظاهرة اجتماعية أو فكرية يمكن أن تُدرس أو يُحكم عليها بمعزل عن العصر اللي ظهرت وتطورت فيه، ومفيش مُفكر يقدر يتحرر من عصره، يمكن يتمرد على حاجات موجودة في عصره... بس في الحالة دي بيكون بيعبر عن مطلب اجتماعي موجود في ذلك العصر... بتكون الظروف نضجت لإحداث تغيير أو بتكون هناك إرهاصات (بدايات أولى متواضعة) لهذا التغيير. من غير كده حيكون تمرده تمرد عاجز ويفضل حبر على ورق، أو صرخة في وادٍ كما يقول العرب، ويقول له التاريخ (أو "دهاء التاريخ" بتعبير الفيلسوف الألماني «هيجل»): " لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تُنادي". والتاريخ حافل بالأمثلة. بالاختصار الإنسان مش ممكن يتحرر من التاريخ.

يعني زي ما قلت للأخ «محمد» (وبالمناسبة أنا لا أقصد مهاجمته أو تجريحه، كل ما أقصده هو أن أضع أمامه وجهة نظر مختلفة وأستدعي نظره لأمور ربما لم يأخذها في اعتباره. محدش بيحتكر الحقيقة. ومفيش "حقيقة مطلقة" في الفكر البشري)، أرجع تاني وأقول للأخ «محمد» والأخ «لون وولف» (الذئب المستوحش آنس الله وحدته) إني مقدرش مثلاً أهاجم «أفلاطون» لأنه لم ينتقد نظام العبودية، بل أَخَذَه كحقيقة مسلمة في "جمهوريته"، مقدرش أقول عليه رجعي، لازم أبُص له في ظروفه وهل كانت هذه الظروف تسمح بتجاوز نظام العبودية أم لا. أنا أتفق مع «ماركس» في قوله إن مفيش نظام اجتماعي بيختفي غير بعد ما يكون استنفد كل أغراضه وأعطى كل ما عنده (دي قضية فرعية ولكنها مهمة جداً في اعتقادي). عندئذ تنشأ الحاجة للتغيير وترتفع الأصوات مطالبة به ويصبح المفكر قادراً على تحريك الناس. (اقرأ مثلاً عن تاريخ فرنسا قبل الثورة الفرنسية عام 1789 أو تأمل الحياة السياسية والفكرية في مصر قبل ثورة 23 يوليو 1952)

هل اتفقنا على ضرورة النظر لكل ظاهرة سياسية أو اجتماعية أو فكرية في إطار عصرها وظروفها؟ أعتقد إن ده أصبح شيء بديهي في عصرنا الحاضر. ولكن للأسف ناس كتير بينسوه إما عن سذاجة أو قلة خبرة وإما عن غرض، والغرض مرض كما يقول المثل.

في ضوء هذا الكلام أنا لا أستطيع أن أقبل موقف الذين ينتقدون موقف القرآن والسنة من قضية المرأة مثلاً. لماذا؟ لأن هؤلاء لا يعرفون، أو يتناسون عن قصد، العالم كله كان شكله إيه في الوقت ده. هؤلاء يتناسون أن القانون الروماني ظل لفترة طويلة جدا يعطى للرجل حق الحياة والموت على زوجته وأولاده. يعني الراجل لو قتل مراته أو ابنه أو بنته محدش له حاجة عنده. ده حقه القانوني. العرب قبل الإسلام كانوا بيدفنوا بناتهم أحياء. الهندوس كان عندهم الزوجة بتتحرق حيه عند موت الزوج.. وده تقليد استمر عندهم لغاية وقت قريّب. وممكن أسرد لكم أمثلة أخرى كثيرة عن وضع المرأة في الحضارات القديمة ولدى الشعوب في العصور السابقة.

حد ممكن يقول: طيب والحقوق السياسية للمرأة؟ والرد بسيط: موقف المجتمعات المسلمة من هذه القضية، وخصوصاً في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية، كان يمكن أحسن من موقف كل المجتمعات المعاصرة (أي معاصرة لتلك المجتمعات المسلمة، عشان «محمد» ميقوليش الضمير بيعود على مين). يعني الإسلام أعطى للمرأة الحق في أن تكون لها ذمة مالية مستقلة عن الأب أو الزوج، وده مش مجرد حق اقتصادي، ده حق سياسي بالتأكيد. ليه؟ لأن ده معناه اعتراف بالمرأة كشخصية قانونية مستقلة. إعتراف بالمرأة ككائن بشري له كيانه المستقل عن الرجل. وبعض الفقهاء أعطى للمرأة حق ولاية القضاء.. وده بالتأكيد حق سياسي..

حيرد علي واحد ويقول بس القرآن بيقول "الرجال قوامون على النساء". أي نعم: الرجال قوامون على النساء. لكن هل ده معناه إن الرجل أفضل من المرأة؟ لازم نفهم أولاً معنى كلمة "قوامون". نرجع إلى لسان العرب، قال "وقد يجيء القيام بمعنى المحافظة والإصلاح، ومنه قوله تعالى "الرجال قوامون على النساء" وليس يراد ها هنا .. القيام الذي هو المثول والتنصب وضد القعود، إنما هو من قولهم قمت بأمرك، فكأنه يعني، والله أعلم، الرجال متكفلون بأمور النساء معنيون بشؤونهم" (لسان العرب، طبعة دار المعارف، المجلد الخامس، الصفحتان 3781 و3785). المعنى إذن هو أن من واجب الرجل المحافظة على المرأة والعناية بشؤونها. طيب ده وحش في إيه؟ ممكن نجد تفسير آخر يقول أن "قوامون" جاية من القيام أي التهيؤ للدفاع وخوض الحرب، فكلمة "قوم" معناها في العربية، أو على الأقل لدى معظم علماء اللغة، الجماعة من الرجال دون النساء لأن الرجال هم الذين "يقومون" للحرب. نرجع تاني للسان العرب: "وقيل (أي القوم) للرجال خاصة دون النساء، ويقوي ذلك قوله تعالى ’لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن‘. فلو كانت النساء من القوم لم يقل ولا نساء من نساء، وكذلك قول «زهير» (الشاعر زهير ابن أبي سلمى):

"ما أدري وسوف إخال أدري
أقومٌ آل حصنٍ أم نساءُ؟"

(لسان العرب، المجلد نفسه ص 3786)

طبعاً صديقي العزيز «محمد» ممكن يقوللي دلوقتي: اظبط! شايف «زهير بن أبي سلمى» بتاعك ده بيحتقر المرأة ازاي؟ وحقول له معلش يا عزيزي ده شاعر جاهلي نسيبه على قد عقله .. العصر بتاعه كان كده، والدنيا كلها كانت كده على أيامه، والاتجاه ده – أقصد استعلاء الذكر على الأنثى – موجود لحد النهارده – على الأقل على المستوى الشعبي – حتى في المجتمعات الأمريكية والأوروبية "المتقدمة" ولغاية دلوقتي الحركات النسائية أو الأنثوية feminist بتشتكي من استمرار سيطرة الذكور وقيم النظام البطريركي – يعني سيطرة الأب – في البلاد الرأسمالية الغربية.

نرجع لموضوعنا، ونقول إننا لو أخذنا بالتفسير الأخير لمعنى كلمة "قوامون"، حنلاقي إن المعنى هو إن من واجب الرجال الدفاع عن النساء أثناء الحرب. طب وإيه الغلط في كده؟ وده منطقي جداً.. لازم يدافعوا عن نساءهم ويستموتوا في الدفاع عنهم كمان لأن النساء في الزمن ده كانوا بيتاخدوا سبايا.. وده - والله العظيم يا «لون وولف» – ماكانش عند العرب لوحدهم.. كان عند الشعوب كلها في ذلك الوقت. ويمكن العرب المسلمين كانوا أرحم من غيرهم بكتير (ارجع مثلاً لوصايا «عمر بن الخطاب» لقادة جيوشه).

نخلص من ده كله بأن الإسلام ساوى بين الذكر والأنثى في الإنسانية. الأنثى مكلفة دينياً مثل الذكر تماماً وعلى قدم المساواة. والقرآن بيخاطب الرجل والمرأة على حد سواء. واحد حيقول طيب وحق الميراث ليه ما فيهوش مساواة بين الرجل والمرأة؟ حرد عليه بالفم المليان وأقول إن ده شيء عظيم جداً في وقت كان الرجل يتحمل فيه كل أعباء الإنفاق على الأسرة، في وقت كانت فيه نظم قانونية في بلاد أخرى تحرم المرأة من الميراث ولا تعطيها الحق في أن تكون لها ذمة مالية أصلاً. وهناك أنظمة كانت تقصر حق الميراث على الذكر الأكبر حتى لا تتفتت الملكية. وهناك أنظمة أخرى كانت تخضع الميراث للوصية.. وهكذا.

(طبعاً فاكرين «الملك لير» وازاي وزع تركته على بناته الثلاثة، أو على اثنين منهم على الأصح. بس دي كانت "دوطة" للأزواج.. يعني للذكور برضه. واللي جه يحاول ينقذه كان جوز البنت الصغيرة ومش البنت نفسها... يعني "الرجال قوامون على النساء" برضه)

طيب وفي الوقت الحاضر اللي المرأة فيه بتشارك في حمل الأعباء المالية مع الراجل، حنقول إيه؟ حنقول إن الإسلام ما بيسدش الباب بالضبة والمفتاح. الراجل أو الست (طبعاً اللي ربنا فاتح عليهم وعندهم حاجة ممكن يورثوها لأولادهم) اللي حاسين إن بناتهم محتاجين أو إن ولادهم الذكور عندهم ما يكفيهم قدامهم منافذ كثيرة: الوصية في حدود ثلث التركة، والبيع أو الهبة للبنات أثناء حياة المورث أو المورثة. ودي كلها حاجات حلال ومحدش يقدر يقول فيها تلت التلاتة كام. المهم انه ما يظلمش حد: "الظلم ظلمات يوم القيامة" ؛ والمثل الشعبي بيقول "من حكم في ماله فما ظلم" بس طبعاً من غير سفه ولا جور على حقوق حد لأن ده بينهى عنه الإسلام.

طيب ونروح بعيد ليه. النهارده الأغلبية الساحقة من البلاد الإسلامية بتتمتع فيها المرأة بحقوقها السياسية. لها حق الانتخاب وحق عضوية البرلمان.. حتى في اليمن اللي كان بيحكمها منذ بضعة عقود إمام مشعوذ بيدعي العصمة والقداسة (والأخ «محمد» زعلان وبيتكلم عن "مذابح الجيش المصري" في اليمن، لو كان راح اليمن كان شاف اليمنيين بيحبوا مصر وعبد الناصر قد إيه. يا أخ «محمد» لسه لغاية النهارده فيه حزب اسمه «الحزب الناصري» في اليمن. ولو كنت شفت في الفضائيات صور مظاهرات اليمنيين احتجاجاً على غزو العراق كنت حتلاحظ إن كتير منهم رافعين صور «جمال عبد الناصر». وده رغم إن ’اخواننا البُعدا‘ بيشيطنوا عبد الناصر ويشوهوا صورته من عام 1955 لغاية دلوقتي). وفي إيران، يعني حتى في بلد ’ولاية الفقيه‘، نسبة النساء في البرلمان أضعاف نسبة النساء في الكونجرس الأمريكي... دي مجرد أمثلة. طيب هل خرجت الشعوب المسلمة غاضبة تقول إن إعطاء المرأة حق الانتخاب ودخولها البرلمان "رجس من عمل الشيطان"؟ محصلش. عندنا في مصر المرأة بتتمتع بحقوقها السياسية من أكتر من خمسين سنة، وده ماكانش تحت ضغط الأمريكان ’حماة الديمقراطية وحقوق الإنسان‘.. لأ دا كان بتأثير التحولات الاجتماعية الداخلية اللي كانت بتعيشها مصر في تلك الفترة...

أكثر من كده هناك دول إسلامية معاصرة وصلت فيها المرأة إلى أعلى المناصب. يعني رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء.. «بينظير بوتو» في باكستان و«ميجاواتي سوكارنو» في إندونيسيا و«طانسو تشيللر» في تركيا (للعلم تركيا فيها تيارات إسلامية جماهيرية قوية جداً رغم ’علمانية‘ الدولة) هل خرجت الجماهير المسلمة في البلاد دي وكسرت الدنيا احتجاجاً على وصول نساء إلى هذه المناصب؟ بالعكس الجماهير هي اللي جابتهم للسلطة وعن طريق الانتخابات.

ده كله معناه إيه؟ معناه إن العقيدة الإسلامية، كما تعيش في قلوب الجماهير، مابترفضش التطور ومابتسدش الباب قدام التقدم. معناه إن الإسلام الحي، الإسلام اللي عايش في قلوب ملايين الناس وليس في أمخاخ بعض المتزمتين، مش هو العقبة وان فيه (أي في الإسلام) مرونة وحيوية تخليه قادر على الاستجابة لاحتياجات العصر.

نضرب بعض الأمثلة: في أواخر القرن التاسع عشر أصدر الخليفة العثماني، السلطان «عبد الحميد» في الوقت ده، فرمان يأمر الجنود الانكشارية بخلع العمم (العمائم) اللي كانوا بيلبسوها على روسهم ولبس الطرابيش بدلاً منها (طرابيش زي اللي كان الأفنديات المصريين بيلبسوها على روسهم لغاية سنة 1950 تقريباً). وكانت النتيجة ثورة عارمة: رفض العساكر، وخرجت الناس في الشوارع تكسر وتحرق احتجاجاً على هذه البدعة (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، بس دي يا ناس بدعة لا تمس جوهر الدين في شيء!) هل ده ممكن يحصل النهارده؟ طبعاً مستحيل. الأتراك خلعوا العمم والطرابيش وعندهم دلوقتي بيوت أزياء بتنافس البيوت الأوروبية.. ومع ذلك فضلوا مسلمين. تشوف الجوامع هناك يوم الجمعة مليانة لآخرها. المصريين وكثير من العرب التانيين خلعوا العمم والطرابيش بهدوء ومن غير كلام عن البدع ولا مناداة بالويل والثبور للمتفرنجين المارقين. حتى ’آيات الله‘ في إيران ميقدروش يقولوا للإيرانيين النهارده اخلعوا البدل والبسوا الجلباب والعمامة. معنى كده إيه؟ معناه إن التطور بيشق طريقه، وإن المسلمين مابيرفضوش التجديد. مادام لا يتعارض مع أصل من أصول الدين. ولا أعتقد أن هناك تجديد جوهري أو مفيد أو ضروري يمكن أن يتعارض مع أصل من أصول الإسلام.

هل ده تبسيط للأمور؟ هل معنى ده إن كله تمام وإن ’ليس في الإمكان أبدع مما كان‘؟ لأ.. ده تركيز على ما هو جوهري. عارف إن فيه ناس متحجرين ويمكن ’ظلاميين‘ كمان.. لكن دول مش الكتلة الأساسية.. دول تيارات هامشية لا تمثل الغالبية الساحقة من المسلمين. ودي ظاهرة طبيعية تماماً في فترات التدهور والإحباط. لما الناس تبص قدامها ماتلاقيش أفق واضح. لما المثقفين بتوعهم يقولولهم: حياتكم كلها هزائم وتاريخكم مافيهوش حاجة مضيئة. دي ظاهرة وجدت في حياة شعوب كثيرة. فإذا استطاعت الشعوب أن تنهض .. بتختفي هذه الظاهرة بالتدريج إلى أن تزول تماماً.

هي دي مشكلتنا الكبرى النهارده.. إن إحنا ننهض.. إن إحنا نتحرك للأمام.. إن إحنا نحقق لشعوبنا مستوى حياة أحسن.. وتعليم أحسن.. ومشاركة متزايدة في صنع القرار وفي تغيير حياتها من غير استعلاء عليها.. وبالاستماع لها والتعلم منها.

وعشان كده لازم نركز على ما هو جوهري.. أما الثانوي والهامشي فنضعه في حجمه الحقيقي بدون مبالغة أو تضخيم. الأخ «محمد» بيهاجم اللي بيشيطنوا الآخرين ويعاملوهم كأنهم كتلة صماء مصمتة أو متجانسة تماماً. لأ يا أخ «محمد» محدش يقدر يقول إن الأمريكان (أو الإسرائيليين حتى) كتلة متجانسة أو صماء.. إحنا عدونا مش الشعب الأمريكي.. الشعب الأمريكي خرج في مظاهرات مليونية ضد غزو العراق.. الشعب الأمريكي ساهم بدور مهم جداً في وقف حرب فيتنام، بس الدور الرئيسي والجوهري كان طبعاً مقاومة الفيتناميين أنفسهم.. الشعب الأمريكي فيه مفكرين ومثقفين عظام نحترمهم ونتعلم منهم.. بس برضه نحلل ونفرز، ونشوف المفيد في أفكارهم ونستفيد بيه.. ونشوف غير المفيد والضار ونرفضه.. لازم إحنا اللي نفكر لنفسنا.. صحيح ناخد من الآخرين كل ما هو إيجابي ومفيد.. بس، في الوقت نفسه، نملك زمام فكرنا. المثل العربي القديم بيقول: "أهل مكة أدرى بشعابها". الإسرائيليين برضه مش كتلة صماء.. لأ فيهم، حتى النهارده، أفراد ويمكن تيارات - محدودة التأثير- عايزه السلام وبتتخذ مواقف موضوعية أو قريبة من الموضوعية.. أنا احترم جداً ناس زي «يوري أفنيري» أو «نورمان فنكلشتاين» أو «إسرائيل فنكلشتين».. وأقرأ دراساتهم وأستفيد بيها جداً. طبعاً كان فيه وقت كان فيه حركة «السلام الآن» وكان لها قدر غير قليل من الجماهيرية. دلوقتي نفوذها انحسر، وأصبحت الكلمة العليا في الشارع الإسرائيلي للمتطرفين والمتعصبين.. مش كده ولا إيه؟ (ودي ظاهرة مرتبطة بخصخصة القطاع العام في إسرائيل وممتلكات الهستدروت، أي تصفية القاعدة الاقتصادية لحزب العمال الإسرائيلي، ومرتبطة أيضاً بالاستراتيجية الأمريكية بعد انتهاء الحرب الباردة وبالتغييرات في التركيب السكاني لإسرائيل). يعني خلاصة الكلام إننا ممكن نبقى مدركين للاختلافات والتباينات في المجتمع الأمريكي أو الإسرائيلي. بس الغلط هو أن نتوهم إن المعارضة الأمريكية أو الإسرائيلية هي اللي حتحررنا أو تحل لنا مشاكلنا. دي مهمتنا إحنا.. وده من غير ما نشيطن حد ومن غير ما نغمض أعيننا عن الحقائق الموضوعية.. لأننا بقدر ما ندرك الواقع على ما هو عليه بدون أوهام أو تزويق أو تشويه، بقدر ما نقدر نبقى مؤثرين.

المشكلة الخطيرة جداً في اعتقادي إن إحنا "نشيطن" بعض. أنا بصيت مثلاً على البلوج بتاع الأخ «لون وولف» ولقيت مفيش حد عاجبه.. لا "المعارضة البرجوازية" ولا "اليسار المنفصل عن الشارع" ولا "الإسلاميين" ويمكن عشان كده اختار إنه يكون "لون" و"وولف" عشان كده هو محبط وبيسارع إلى "تسجيل احتجاجه" على كلامي بدون ما يوضح الأسباب.

مش ده معناه إن إحنا بنشيطن بعض.. بنشيطن "المعارضة البرجوازية" و"اليسار" و"الإسلاميين"؟ يعني على رأي الأخ «محمد» بنبص لكل تيار من التيارات دي ككتلة مصمتة، كتلة غير متجانسة ومرفوضة كلها على بعضها؟ مفيش حد ’يوحد الله‘ داخل هذه التيارات كلها قصده خير وقلبه على البلد وعايز ينهض بيها؟ وهل صحيح أن هذه التيارات كلها متجانسة.. اليسار كله متجانس والمعارضة البرجوازية متجانسة والإسلاميين متجانسين؟ مش صحيح.

الحقيقة إن كل الناس اللي عايزين ينهضوا بالبلد.. اللي عايزين يبقى فيه تنمية حقيقية.. يقضوا على الفساد.. يحققوا مشاركة شعبية حقيقية ومتزايدة.. يقضوا على البطالة.. كل الناس اللي عايزين يوقفوا التدهور والخراب المتزايد.. كلهم في خندق واحد.. رغم اختلاف الإيديولوجيات اللي هو شيء طبيعي.

يعني في مصر "الإسلامي" اللي بيرفض التبعية للغرب وبيرفض الفساد مع "اليساري"، ويمكن كمان مع أجزاء كبيرة من المعارضة البرجوازية، في خندق واحد. في فلسطين.. «حماس» و«الجهاد» و«الجبهة الشعبية» و«الجبهة الديمقراطية» و«حزب الشعب» (الحزب الشيوعي الفلسطيني) وعناصر كتير في «فتح».. كل دول في خندق واحد.

أي تعميق للخلافات.. أي شيطنة لطرف للطرف الثاني.. أي اختلاق لمعارك واختلافات وهمية لا يخدم إلا مصالح أعداءنا ونتيجته الوحيدة هي تعطيل النهضة والتغيير..

حتقول لي الإسلاميين مش ديمقراطيين.. بعضهم بيقول الديمقراطية نظام غربي لا يتفق مع الإسلام. حقول لك تعالى بص في عالم اليوم.. الإسلاميين بيحكموا في تركيا في ظل نظام علماني.. الإيرانيين عندهم برلمان وانتخابات يعني مش "بيعة من أهل الحل والعقد" وعندهم تيارات مختلفة.. محافظين وليبراليين.. الخ. يعني التطور ماشي والعصر بيفرض ضروراته.

وبعدين مين قال إن الديمقراطية الموجودة في أمريكا وأوروبا هي الشكل الأمثل الكامل الأوصاف والمعاني اللي لازم ناخده زي ما هو ونطبقه في بلادنا؟ كتير من علماء السياسة والمفكرين الغربيين بينتقدوا النظام الديمقراطي عندهم. بُص لنسبة المشاركين في الانتخابات وكيف تتناقص.. ناس كتير هناك يئست من جدوى الانتخابات واللعبة كلها.. بُص للعملية الانتخابية وكيف تجري وتدار؟ دلوقتي فيه "خبراء انتخابات" بياخدوا عشرات ومئات الملايين من الدولارات.. وبيشتغلوا مع اللي يدفع أكثر.. عشان يعلموا المرشح إزاي يحط "الروج" على شفايفه وازاي ينتف حواجبه ويسرح شعره.. وازاي يتآمر على خصومه.. وازاي يخدع الشعب بالكلام المعسول والمزوق.. بالاختصار إزاي "يسوق" نفسه.. يعني السياسة والديمقراطية والانتخابات والكلام الكبير ده أصبح سوق كبير.. بتلعب فيه الشركات الكبرى والشاطر اللي عنده فلوس أكتر ويقدر "يلبس الناس الطاقية" ويأكلهم البالوظة أكتر من التاني.

الديمقراطية دي - ديمقراطية السوق – ما تلزمناش.. إحنا عايزين ديمقراطية تخلي الناس يشاركوا في صنع القرار بحق وحقيق. عايزين ديمقراطية حقيقية مش حقوق حبر على ورق.. عايزين ديمقراطية تساعدنا على بناء بلادنا .. على تنمية حقيقية.. ديمقراطية تساعدنا على القضاء على البطالة والفساد.. ديمقراطية مختلفة.. أعمق في مضمونها بكتير من الديمقراطية الغربية. ومش ديمقراطية شكلية لا تودي ولا تجيب. وعلينا من خلال الممارسة كلنا، ليبراليين ويساريين وإسلاميين، أن نكتشف معاً الطريق.. أن نبتكر معاً الأشكال الديمقراطية اللي ممكن تنفع لنا وتساعدنا.. كلنا في خندق واحد.. عشان كده بقول كفايانا انفصال عن شعوبنا، كفايانا شيطنة في بعضينا.. كفايانا تضخيم في عيوبنا وتيئيس للناس.. كفايانا اغتراب عن جذورنا.. كفايانا تبعية فكرية.. كفايانا شرزمة.. والكلام ده موجه للجميع دون استثناء.

وإلى اللقاء مرة تانية عشان نتكلم عن موضوع "الشوفينية" بالتفصيل ونرد على الأخ العزيز «لون وولف».

٢١ أغسطس ٢٠٠٥

وخلّي قلبك عمره ما يسامح! *


لم تكن هذه هي أول مرة أندهش فيها من مقولة البعض "في بعض الأحيان لازم تدخل عسكري..." وكانت هذه الجملة في معرض "حل مشكلات الأنظمة الدكتاتورية في الدول العربية مثل آيراك -العراق سابقا-ً وسوريا - سيريا قريبا"

هناك أشياء كثيرة تظل تدهشني وتؤلمني كلما سمعتها... كقصة جريمة أمريكا في هيروشيما مثلاً. لا يمكن مهما حدث، أن تُذكر أمريكا دون أن يذهب عقلي إلى صورة أشخاص يحترقون ويتساقط جلدهم فيقفزون في البحر اعتقادا منهم أنه سيبرد أجسادهم، فيجدونه ماء مغلي مشبع بمواد كيميائية تكوي الجسد في لحظات...
قلت لي عدد القتلى كان كام في يوم واحد؟ ربعميت ألف؟؟ يعني أربعة وجنبها ستة أصفار؟ والجرحى اللي ماتوا بعد ال176 دكتور في مستشفى المدينة كانوا كام؟ مية وعشرين ألف؟ وضحايا المفاعل؟ لسه لغاية دلوقتي فيه ناس بتموت بسبب التسريبات؟ وكام حالة سرطان؟ وكام طفل؟ وكام شجرة؟ وبمناسبة الشجر... كام شجرة زيتون اقتلعها الإسرائيليون لبناء جدار الفصل العنصري؟

أنا مش عارفة كنت عايزة أقول ايه بالظبط لما بدأت أكتب... كان فيه حاجات كتير بتعدي في دماغي.. مسرحية الانتخابات... واحد مشكوك في أمره وفي انتماءاته ونزاهته.. واحد لابس قميص وكرافته وعنيه بتشر منها البلاهة ... واحد رافع صباعه وبيقول لي "اتخنقنا" ...ناس بتقول تغيير كأننا حنغير ملابس داخلية ولا جزمة... "تقدم" الغرب... "الديمقراطية"..."تحرير" العراق ... فيتنام... هيروشيما ونجازاكي... صبرا وشتيلا... الفلوجة... كلها أشياء منفصلة متصلة ترسم في النهاية صور سوداء ملطخة بالدماء

أعتقد ان الموضوع بدأ لما حاولت أسأل نفسي فين أولوياتي، ولقيت ان كل حاجة متلخبطة. الشيء الوحيد اللي كنت متأكدة منه هو ان مهما كانت الظروف لا يمكن أقف في نفس الصف اللي وقف فيه سفاحو هذه المجازر حتى لو كانت روحي في إيدهم.

قال أبي في أغنية "المسألة":

الأصيل مالهش في الدنيا دي حظ
والسعادة لكل قاسي قلبه فظ
يا ترى نركعله ولا نقوله طُظ!
حتى لو دماغنا تحت المقصلة...

هي ديه المسألة!
__________________

* العنوان من قصيدة لفؤاد حداد بعنوان "إكبر يا ليل" :
وما ينقطعش الجاي والرايح
خليك على طول الزمن أخضر
وخلي قلبك عمره ما يسامح
نحمل قديمنا ونحمل الصابح
ونعيش على قدام
ونتذكر...



٠٢ أغسطس ٢٠٠٥

أغسطس في الجنينة

-
يقدم مسرح الجنينة بحديقة الأزهر برنامجاً لفرق الشباب فى الفترة من الخميس 28 يوليو الى الخميس 4 أغسطس
-
الثلاثاء 2 أغسطس : بلاك تيما

موسيقى مصرية حديثة و كلمات مصرية تهتم بالشباب و توزيعات جديدة بأصوات مصرية شابة و أداء مختلف عن السائد هذه هى المكونات الرئيسية لفرقة بلاك تيما التى تقدم موسيقى مختلفة و جادة و قادرة على جذب أنتباه أذن الجمهور.

الأربعاء 3 أغسطس : فيونكات دنيا

تجمع دنيا الأغنيات المختلفة الأيقاعات من ربوع مصر فى شكلها الفلكلورى و تعيد تقديمها بعد أضافة نكهة جديدة لها ، فكأننا نستقل قطارا يعبر أرجاء مصر لنستمع لكل أشكال الغناء المصرى. يصاحب دنيا مجموعة من العازفين المهرة و المهتمين بألغناء المصرى تحديدا.

الخميس 4 أغسطس : بشير

يعيد الفنان محمد بشير تقديم أغنيات من جنوب مصر فى قوالب الريجى و الجاز الحديث من خلال توزيعات و أيقاعات مختلفة عن السائد و المطروق . يقدم محمد بشير أغانيه منذ أكثر من 8 سنوات و قد تعددت مراحله الفنية حتى وصل الى الشكل الحالى الذى يحاول فيه تقديم تجربة فنية جديدة و مثيرة .

١٧ يوليو ٢٠٠٥

بنات زينب



في الطريق إلى هناك أخبرتني عمتي أن اسم هذه القرية كان في الأصل "ألفا قوس" (أي 2000 قوس) ثم تحول على مر الزمن إلى "فقّوس". لم تشرح لي علاقة المكان بالأقواس أو عددها ولم أسأل، لكنني انبهرت من فكرة وجود أصول ذات معنى لأسماء الأماكن، ومكثت طوال الطريق أفكر في أصول الأشياء وأسمائها.

أعجبني أيضاً اختلاف النطق بيننا نحن القاهريين وبين أهل القرية الذين كانوا ينطقونها "فجّوس" بينما ننطقها نحن "فأّوس". ارتبطت الكلمة في ذهني ببيضات دجاجات عمتي خديجة وبطها "المستكوفي" الذي كانت تفتخر به والذي سكن عشة فسيحة طالما جلست بداخلها منتظرة أن أرى البيض وهو يفقس كتاكيت، وهكذا أصبح ذكر "فقوس" مقترناً في عقلي بحظيرة منخفضة الضوء ذات رائحة كريهة تحتضن في أركانها أملاً في الحياة : البيض وهو يفقس الكتاكيت.

هل كان صباح عيد الأضحى أم عيد الفطر حينما جلست مع بنات القرية تحت تكعيبة العنب أتأمل جلابيبهن زاهية الألوان وأشعر بالضآلة والقبح في قميص نومي الطفولي القصير المزدحم بالدببة الصغيرة وعبارة "تصبح على خير" بكل اللغات ما عدا العربية؟

كانت الحاجّة زينب تأتي إلى بيتنا كل يوم لتساعد عمتي في تنظيف المنزل وإعداد الطعام وتحضر بناتها الخمس معها ليساعدنها. أحببتهن جميعاً لكن بهيجة كانت أقربهن إلى قلبي، وجهها مبتسم تشريحياً وعيناها عسليتان مليئتين بالدفء. كانت أطولنا وأكبرنا سناً، طالما حاولت أن أجدل شعري الخفيف مثلها لكن ضفيرتها الكثيفة المتماسكة لم يكن لها مثيل.

كنت أنتظر البنات كل يوم بفارغ الصبر حتى ينتهين من المهام المنزلية لكي ننطلق إلى الحديقة ونغرق في اللعب. ما عدا في العيد... لم أضطر أن أنتظر، فاللعب كان يبدأ مع شروق الشمس ولا يطلب الكبار من الأطفال شيئا غير أن يتركوا المنزل ويلعبوا بعيداً حتى تنتهي السيدات من تحضير الغذاء.

تجمعنا تحت تكعيبة العنب نتحسر على مخزون البُمْب الذي نفذ وزاد من كآبتي أن البنات لا يردن اللعب في الطين حتى لا تتسخ الملابس الجديدة، فجلسنا أنا وبهيجة نبحث عن طريقة ننقذ بها يوم العيد....

قالت عزيزة:

- نروح البلد نجيب بمب!


صرخت بهيجة في وجهها وبرطمت بكلمات لم ألتقط منها إلا جملة "جاك شلل في فم المعدة!!!" وأدركت دون أن أفهم معنى الكلمات بالضبط أنها سبة فتدخلت لأهدئ النفوس:

- فهموني بس...إيه المشكلة لما نجيب بمب؟ هي البلد بعيدة؟؟

فردت محاولة التحدث بلهجتي القاهرية

- لأ ما بعيداش بس احنا بنات لوحدينا!

وهنا "نقح" علي العرق الثوري وحضرت أرواح جداتي وقلن بصوت واحد على لساني:

- و إيه يعني؟؟!! احنا بميت راجل ونقدر ناخد بالنا من نفسنا ، إحنا مش صغيرين! أنا ح اتم اتناشر سنة كمان سبع شهور!

لم أتح لأحد فرصة للجدال وتوجهت نحو باب الحديقة فسرن خلفي.

ذهبنا إلى "البلد" واشترينا البمب والملبس ثم عدنا إلى المنزل بسلام لم يدم كثيراً، فعندما دخلنا وجدنا وجه عمتي محتقنا وصرخت في وجوهنا:

- أنا قلبي وقف!!! إزاي تخرجي من غير ما تقولي؟إنت لسه صغيرة! كان ممكن تتوهي ولاّ تتخطفي!! وانتوا بقى لكم معايا حساب تاني!!

بدأت البنات في البكاء ووقفت أنا شامخة متحدية أدافع عن حقوق المرأة وحق الأطفال – الآخرين طبعاً مش أنا- في الحصول على البمب يوم العيد... وجاءني صوت زوج عمي من الداخل ليزدني قوة وثقة بالنفس...

- فيه إيه؟!! إيه الزعيق ده كله؟! ما تنكديش ع العيال يوم العيد! خلاص ماجراش حاجة ، ماهي رجعت بالسلامة وبعدين كان معاها بنات زينب وهم عارفين البلد كويس..

وقبل أن ينتهي من الجملة كان قد وصل إلى باب غرفته ورأنا مصطفات أمام عمتي وفي لمح البصر اختفت النظرة الحانية من عينيه وأكاد أجزم أنني رأيت شراراً حقيقياً يخرج منهما!

- إنتي خرجتي كده؟
- كده ازاي يعني؟
- نزلتي السوق بقميص النوم ده؟؟! إنتي فاكرة نفسك عيلة صغيرة؟؟!

(وبعدين بقى... صغيرة ولاّ مش صغيرة!؟ ما ترسوا على حل... وبعدين ايه علاقة ده بقميص النوم..)

- وفيها ايه يعني؟ ماله قميص النوم؟؟!!

- فيها ايه؟! طيب تعالوا بقى!

ودخل غرفته وأحضر "عصاية" لم أكن قد رأيتها من قبل وعلا صراخ البنات ولا أتذكر شيئاً بعد ذلك غير صوت "العصاية" في الهواء ثم على جسدي.

عرفت فيما بعد أن اسمها الملعون هو "الخرزانة" وظللت أكرهها ولا أطيق سيرتها طوال حياتي.

وفي تلك الليلة سمعت من خلف باب حجرتي - التي حكم علي بالحبس فيها حتى نهاية اليوم- كلمات جديدة على مسامعي وجمل ظلت تؤرقني طوال سنوات مراهقتي: "البنت كبرت وجسمها اتدور بس لسه مخها صغير... اللي يشوفها يفتكرها عندها 17 سنة... ربنا ستر... البنات دول هم!"

أما قميص النوم فرميته في سلة المهملات! ومنذ ذلك اليوم لم تعرف الفساتين والجونلات طريقاً لدولابي لفترة طويلة، وكنت أتأمل فاترينات الملابس الداخلية سرأً وفي حرصٍ حتى لا يدرك أحد أنني في بعض الأحيان أحن إلى أنوثة دفنتها وهي في طور التكوين.

***

منذ عدة أيام ذهبت مع زوجي لزيارة عمتي. تذكرنا طفولتي بأحداثها المضحكة المؤلمة ... تذكرنا رفضي أن أعامل كطفلة ورفضي للسيطرة من أي نوع وفرض آرائي على بقية الأطفال ومشكلة شهيتي المفتوحة دائما و شعري المقصوص كالأولاد ... ومن ضمن ما تذكرنا واقعة الخرزانة الشهيرة فضحكنا وعاتبت عمي مشاكسة:

كانت حتة علقة! مانساهاش! أنا يا عمو تضربني؟؟ وبالخرزانة كمان؟! ده انا حتى ماكنتش اعرف إسمها لحد اليوم ده!

كف عمو عن الضحك وظل يؤكد لي أنه لم يضربني "أنا كنت بارزع الخرزانة جنبك بس لكن ما ضربتكيش "

- ........

- طيب وبهيجة؟ وبقية البنات؟

- ضربتهم طبعاً عشان أخوفك وعشان بهيجة أكبر منك وكانت عارفة انك مايصحش تنزلي البلد بقميص نوم عامل كده!

- إنت متأكد انك ما ضربتنيش خالص يا عمو؟

- طبعاً متأكد!


في مساء ذلك اليوم ارتديت قميص نومي المفضل، أبيض، حريري، شفاف، مزين بزهور وردية صغيرة. وقفت أمام المرآة وعلى وجهي ابتسامة سلام لم تدم طويلاً، فبمجرد أن رأيت ظل جسدي خلف القماش شعرت بلسعة الخرزانة أسفل قدمي.