24 فبراير 2005

أنا من الصعيد

الليلة سيطلع علينا قمر جديد في مدينة من مدن الصعيد...
أشعر وكأنني ذاهبة إلى بلدتي... إلى وطن تم إبعادي عنه منذ قديم الأزل.

إليكم فيما يلي شجرة عائلة تشعبت جذورها وتبعثرت أوراقها عبر الزمان:

الأب: "محمد صلاح الدين بهجت أحمد حلمي"
ولد في القاهرة لأسرة قاهرية بحي شبرا. لم أدرك أن اسمه ليس "صلاح جاهين" إلا عندما نادوني لأتسلم رقم جلوسي في السنة الإعدادية.

والد الأب: "بهجت أحمد حلمي"
قاهري؟ لست متأكدة. كل ما أعرفه عنه هو أنه تنقل في محافظات مصر بحكم عمله ولا أعرف بطباع أي القرى تطبع أو في أيهم شعر بالانتماء.

جد الأب: "أحمد حلمي – إللي اتجوز عايدة"
نهرتني عمتي عندما رجعت من المدرسة سعيدة بالأغنية الجديدة التي تعلمتها من أصدقائي "أحمد حلمي اتجوز عايدة". قالت لي: ألا تعرفين أن أحمد حلمي الذي سمي على إسمه النفق هو جدك؟؟ كان صحفياً ثورياً شهيراً أيام سعد زغلول!
ظللت أفتخر بجدي أحمد حلمي العظيم إلى أن سمعت أنه كانت له مواقف سياسية مريبة وكان متعصباً ضد المرأة. لم أحاول أن أثبت عكس ذلك أو صحته. في الواقع... تركت الأمر برمته! فبعد أن عشت سنوات طويلة من عمري أكافح وأحارب ضد "الأغاني الهايفة اللي بتقلل من شأن رموزنا التاريخية" عدت إلي رشدي سالمة أدندن أغاني الصبا

والدة الأب: (أمينة ... something)
لا أعرف اسم أباها ولا أمها.
لم أسأل في أي محافظة ولدت...تنقلت مع زوجها في المحافظات وعملت مدرسة للغة الإنجليزية. يقولون أنها تنتمي إلى أول دفعة بنات في جمهورية مصر العربية بمدرسة السنية.
أتذكر عنها انتماءها إلى فراش تنبعث منه رائحة كولونيا خمس خمسات وعلاقتها القوية بقطط الشارع التي كانت تأتيها في وقت الغذاء من كل يوم عند شباك المطبخ فاغرة فاها ومصدرة أصوات "تقطع القلب". فتظل جدتي أمينة ترد على تأوهاتها بعبارات "تقطع القلب" هي أيضاً. تعتذر للقطط أنها تأخرت عليهم بالطعام... تدللهم وتكلمهم وتحكي لهم عن أحداث مسلسل امبارح الساعة 7 محاولة الترفيه عنهم أثناء تناول وجبتهم.

الأم: "منى جان يوسف قطان" مازالت تبحث عن هويتها...
تقول أنها ولدت في حيفا عام 1944 وغادرتها مع حرب 48 ... لم تحكي لي أي ذكريات عن تلك المرحلة وأرجح أنها ربما محتها من ذاكرتها. تنقلت بين انجلترا و إيطاليا و السودان و مصر وعاشت طفولة أليمة بين أباها و أمها المطلقين.. الشيء الوحيد الذي تفتخر به أمي وتأكده هو أن عائلة أباها لها جذور في جزيرة "قطانيا" – التي لم أجدها على أي خريطة- في إيطاليا. أعتقد أن انتماءها الشديد إلى تلك البلد يرجع إلى كون أول صديقة لها هي جارتها الإيطالية التي كانت تحدثها بلغتها فترد عليها أمي بالعربية حتى أتقنت كل منهما لغة الأخرى.

والد الأم: "جان يوسف قطان"
فلسطيني من أصل لبناني أو لبناني من أصل فلسطيني... لست متأكدة ولا أعرف الفرق. ولكنني أعرف أن أمي تجهل تاريخ ومكان ميلاد أباها ولم تدرك أن اسمه "جان يوسف" و ليس "جان" فقط إلا عندما استخرجت شهادة وفاته بعد مماته بحوالي 30 عام وذلك لأسباب قانونية اضطرتها أن تفعل ذلك.

والدة الأم: "جاكلين خوري" فلسطينية. و لو لم تكن فلسطينية لودَّت أن تكون فلسطينية.
إمرأة وهبت حياتها لقضيتين : قضية فلسطين وقضية المرأة! أمها من أصول إنجليزية و أبوها... إسمه رشيد ولا أعرف عنه شيئاً.
تربطني بهذه الجدة مشاعر حنين لا أفهمها – حيث أنها ماتت قبل ولادتي بثلاثة أشهر – ولكنني كلما رأيت أحد أصدقائها وكلما ذكر اسمها أمامي اقشعر جسدي وشعرت بثقل في قلبي كمثل الثقل الذي يشعر به الإنسان فور وفاة شخص قريب منه.


تمخضت هذه الشجرة عن ثمرة تود أن تحذو حذو أهلها... فقررت أن تختار كل يوم وطن ينادي على أهله.

اليوم يناديني صعيد مصر وبالتحديد محافظة المنيا لكي أنتمي ولو ليوم إلى مجموعة من الشابات والشباب الموهوبين الذين خرجوا عن مألوف قراهم فغنوا أشعار فؤاد حداد ورقصوا عليها سوياً: إناثاً وذكوراً، أقباطاً ومسلمين.

22 فبراير 2005

ثقل مألوف

الهدف: اليوم سأعود إلى المنزل بوجه مشرق وابتسامة عريضة

كيفية التنفيذ: بسيطة... في طريقي إلى المنزل سوف أترك على كل ناصية دمعة من دموعي و إن لم يكف الطريق القصير لذي أسلكه كل يوم سأظل أدور حول المنزل مثل الكلاب الضالة حتى أجف تماماً من كل احتمال للبكاء.

عائدة و قدمي بالكاد تقويان على حملي... ثقيلة الوزن وثقيلة القلب والظل أيضاً!

لا! لا يجب أن أترك نفسي لتلك الأفكار! سأفكر في أيام سعيدة مضت.

....

خطأ! الحنين من أكثر المشاعر إيلاماً! ولما أحن إلى أشياء لم تعد موجودة ولا يمكن إعادة خلقها.
راحة البال ، البراءة الطفولية ، الثقة العمياء في أمي و أبي وثقتي في قدرتي على إدخال السعادة إلى قلب حبيبي. كل هذه أشياء ماتت بمجرد شكي فيها. لماذا لا أنظر إلى الأمام و أتطلع إلى مستقبل به أنواع أخرى من السعادة لم أجربها بعد؟

خطأ! كل هذا لا يقودني للمنزل! يجب أن أفكر في أشياء أقل تعقيداً. ماذا سأرتدي لحضور حفل يوم الجمعة مثلاً...

وما أهمية ذلك! فأنا أنا! مهما أرهقت نفسي في محاولات الظهور بشكل أفضل سأبقى هكذا شاعرة بالقبح ما لم أغير من نفسي... الشكل الخارجي مسألة ثانوية و لا قيمة لها طالما ظللت لا أرى في داخلي أي شيء جميل.

أي عبث هذا! فيما أضيع وقتي؟! أرهقت نفسي و تأخرت على المنزل و انتهى بي الأمر في حالة أسوأ مما كنت عليها عند انتهائي من العمل!

سوف أعود إلى منزلنا حيث تنتظرني ابتسامة تمنحني الطاقة الكافية للقيام بهذه الجولة مرة أخرى غدا