15 مارس 2006

إيقاع الزمن

قبل مشاهدة معرض سمير فؤاد السابق لم أكن أعرف أن زيارة معرض فن تشكيلي ومشاهدة اللوحات على طبيعتها تجربة لا تقل روعة عن مشاهدة مسرحية أو حفل موسيقي أو أمسية شعرية، وأنها تجربة -مثلها مثل المسرح والموسيقي والسينما- تملك القدرة على تشكيل مزاج المتلقي وأخذه إلى أماكن في نفسه لم يكن قد زارها من قبل. هذا بالضبط ما حدث لي عندما زرت معرض "شهرزاد ترقص". دخلت القاعة وسرت بتأني أتفقد لوحات لسيدات يرقصن... لكل لوحة طابعها الخاص ولكل امرأة روح تكاد تقفز من اللوحة لتجذبني معها في رقصة لا نهائية. تمنيت حقاً أن أكون وحدي في هذه القاعة المزدحمة حتى أدور حول نفسي ويطير فستاني حولي مع "شهرزادات" سمير فؤاد. تلك الشهرزادات المنطلقات بداخل أُطُر اللوحات.. لا يمنعهن الإطار من الوصول إليّ.. ولا يمنعهن توقف الزمن عند اللحظة التي اكتملت فيها اللوحة. داعبتني أسئلة حول الحركة والزمن واستمراره المتناقض مع توقفه. ويا لعجبي حين علمت أن معرض سمير فؤاد القادم بعنوان "إيقاع الزمن"*. أترككم مع كلماته ولوحة من لوحاته:


مقدمة

يستعيد إيقاع الزمن في مخيلتي مطلع سيمفونية جوستاف مالر السادسة بالغة القتامة ..
إيقاع قدري عنيد لا يتوقف ابدا...سرمدي البداية منذ الدفقة الأولى للانفجار العظيم.. يسير في إصرار إلهي إلى اللامنتهى...
لا نحس للزمن وتيرة ثابتة .. فهو أحيانا في هدوء جريان جدول رقراق .. وأحيانا أخرى هادر هائج مثل موجه مد عاتية ولكنة دائما يكتسح أمامه كل شئ .. لا شيء باق على حاله .. أسرى نحن في هذا الوجود ... لا نملك حق العودة إلى الوراء ولا الهرولة إلى الأمام. قالها قس بن ساعده "كل ما هو آت آت" دورات لا نهائيه من الحياة والموت، الهدم والبناء، سدم ومجرات تتكون ثم تتبعثر، إنفجارات تسطع بضوء ملايين الشموس.. وثقوب سوداء تلتهم أي شيء وكل شيء.. حتى الزمن ذاته.. وحينئذ سوف تنضغط كل الموجودات في بؤرة واحدة تذوب وتتوحد في الذات العليا.

خواطر على هامش المعرض

عن الزمنية في الفن التشكيلي يقول الناقد جان بيير كريكى: "في البداية يمكن أن يكون هناك زمن معروض في العمل احتفاء بلحظه أو أحداث مختلفة ترتبط بعضها ببعض وفي بعض الحالات بالإضافة إلى ذلك نجد ما يسمح لنا أن نضع أيدينا على بعض الملامح في عملية إعداد العمل المادية ثم يأتى بعد ذلك عمر العمل ممثلا في المسافة الزمنية التي تفصلنا عن بداية وجوده ويكون هذا الزمن حاضرا في أذهاننا ومؤثرا على إدراكنا للعمل إضافة إلى التحولات المادية الشكلية التي تصاحب بقاء هذا العمل عبر السنين والقرون".
إن عنصر الزمن في العمل التشكيلي عنصر مركب ومعقد وهذا ليس بمستغرب، فمفهوم الزمن عامة قد حير العلماء والفلاسفة عبر العصور ومازال حتى اليوم ما بين "نسبية" إينشتين و"كم" ماكس بلانك، توجد ألغاز كثيرة لم يتم حل طلاسمها.
في عالمنا المادي لا يوجد زمن بدون حركة. إذا توقف الزمن .. توقفت الحركة وخمد كل شيء.. لا يوجد سكون مطلق .. وكذلك لا توجد حركة مطلقة .. توجد حركة نسبية وسكون نسبى.
وبالتالي فإن إحساسنا بالزمن يأتي عبر إحساسنا بحركة الأشياء سواء بشكل مباشر مثل صبى على أرجوحة .. أو عبر التغيير الذي يحدث للأشياء مثل ذبول ورود في زهرية .. وتبقى مقولة "دوام الحال من المحال" شاهد بين على مرور الزمن.
الزمن الذي نحن بصدده هنا هو الزمن الداخلي والذي تتضافر عناصر اللوحة التشكيلية جميعها من موضوع وخط ولون ومساحه وملمس سطح في خلقه عبر إيجاد حركه داخل العمل يتم نقلها إلى عين الرائي وإدراكه.
من ناحية الموضوع يمكن تقسيم لوحات هذا المعرض إلى مجموعتين رئيستين .. مجموعة تدور موضوعاتها عن أجسام في حالة حركة .. أطفال تلعب .. سيده تسير ..الخ ..ومجموعة تدور موضوعاتها عن أجسام في حالة سكون .. طبيعة صامتة .. وجوه .. أشخاص .. الخ ..والعامل المشترك بين هاتين المجموعتين هو وجود عنصر إيقاعي هو العنصر المحوري في الصورة مع وجود عنصر/عناصر إيقاعية ثانوية أو مضادة.
كمثال من المجموعة الأولى إذا نظرنا إلى لوحه الطفل على الحصان الخشبي في لعبة الساقية الدوارة (المطبوعة على إعلان المعرض) نجد أن العنصر الرئيسي هو الطفل/الحصان في حاله حركه اتجاهها من يسار اللوحة إلى يمينها.
الخطوط الرأسية المتتابعة تخلق إيقاع القرار الذي يتحرك عبرة الطفل والحصان وتم تأكيد الحركة بالاستطالة في وجهي الطفل والحصان في اتجاه الحركة و تم خلق طبقه حركيه ثانيه من تضاد لون الحصان الأمامي (أزرق . بارد) مع الخلفي (أحمر . ساخن).
وكمثال من المجموعة الثانية إذا نظرنا إلى لوحه ثلاث وردات في بللورة على خلفيه سوداء (المطبوعة في كتالوج المعرض) سنلاحظ في العنصر الرئيسي الورود/البللورة وجود حركه حلزونية تبدأ من البللورة ثم تنتقل إلى أوراق الورود وتصل قمتها إلى الوردات الثلاث ويساعد الانبعاج الموجود في هذه العناصر على تأكيد اتجاه الحركة وانتقالها من جزء إلى آخر.
وترتكز هذه الوحدة على سطح ساكن نسبيا مكون من خط أفقي وخطوط محوريه .. ويمثل اللون الأسود لخلفية الصورة المنطقة الأكثر سكونا مما يعطى حيوية أكثر لمجموعتي الحركة سالفتى الذكر.
وأعتقد أنه يمكن استعمال هذه المنهجية للتعرف على العنصر الرئيسي في العمل والعنصر/العناصر المساعدة (أى المجموعات الحركية) لإدراك البعد الزمني/الحركي في معظم لوحات هذا المعرض.
خلاصة القول أن مرور الزمن يغير الأشياء ولكن ليس بنفس الوتيرة، ويخلق هذا في الوجود إيقاعات شتى يجمعها نظام علوي واحد ويتلقى الفنان شذرة من هذا ويحولها عبر خلفيته الثقافية ومزاجه الانفعالي باستعمال الأدوات المتاحة له إلى عمل فني ..ثم يأتي دور المشاهد والذي يلعب الوعي والإدراك الذاتي الخاص به عنصر حاسم في فهم محتوى العمل الفني.

سمير فؤاد
مارس 2006


* معرض "إيقاع الزمن" من 19 مارس حتى 14 أبريل 2006 - قاعة بيكاسو: 3 ش حسن عاصم من ش البرازيل، الزمالك - ت: 7367544