15 سبتمبر 2005

عبد الحق ينتقل إلى الشارع السياسي


بالرغم من أنه كان مآنسني ومنورني هنا :) .. قرر عبد الحق أن يشارك عمرو الكتابة في مدونة الشارع السياسي ليكون لديه المساحة لعرض أفكاره بوضوح. وقد سمح لي مشكوراً أن أضع مقدمة موضوعه القادم هنا لكي لا نفقد خيط النقاش. ويمكنكم متابعة كتاباته فيما بعد في الشارع السياسي.

يقول عبد الحق:


أشعر هذه المرة أن مهمتي ليست سهلة.

مطلوب مني أن أرد على محاور يقول:
"عايز تبقى الإدانة للفعل بغض النظر عن مرتكبه، مش مجرد تغذية لمشاعر الشوفينية والكسل الأخلاقي أو إننا نقعد مرتاحين نمدح أنفسنا وماضينا وتاريخنا ونشيطن اللي مختلفين معاه: هو الشيطان الأكبر نبقى أحنا الملايكة".
ومحاور آخر يشير إلى ما جاء في كلامي حين قلت: "إحنا عمرنا ما قلنا، على الأقل في التاريخ الحديث، إننا العنصر المتفوق. عمرنا ما قلنا "العرب فوق الجميع" ، ولا إننا "شعب الله المختار".

ثم يضيف معلّقًا على كلامي:
"لو كنت تقصد بـ "إحنا" العرب والمسلين في مجمل تاريخهم، فأنا أسجل اعتراضي الشديد على الكلام ده".
ثم يعود المحاور نفسه ليقول في مداخلة أخرى:
"تاريخنا كعرب ومسلمين مليان بالدماء (أو على الأقل أنا مؤمن بكده) زي كل الأمبراطوريات الكبيرة، من أول عهود دخول المسلمين الأوائل للبلاد فيما نسميه فتح ويسميه الأخرون غزوا".
محاور ثالث يقول:
"استمرارنا في النظر للصراع مع الغرب (ومع الأقليات أو الأكثريات بين ظهرانينا) بصفتنا عربا ومسلمين لم ولن يؤدي بنا سنتيمترا واحدا للأمام. لابد من نظرة عالمية جديدة ومن الإيمان بمنطق الاستضعاف الذي دفع محمد علي للرضوخ إلى مطالب عصابة من 4 أو 5 دول.. وكان يمكن في هذه الحالة أن نفوق اليابان اليوم".
وقد أغرتني هذه الأفكار التي طرحها المحاور الثالث بأن أسعى لأعرف المزيد عن رؤيته وتصوراته، فوجدته يقول في مدونة له:
"العالم الثالث تتقدمه مصر مقبل على كوارث سوداء والأمل الوحيد هو نظرة عطف إنساني من العالم الأول".
هناك، دون شك، قدر من التباين والاختلاف بين رؤى المحاورين الثلاثة.

ومع ذلك، يظل هناك أيضا، في اعتقادي، خيط مشترك واضح يسري في أفكارهم جميعا.

ما هذا الخيط المشترك؟

هذا الخيط المشترك هو غياب الحس التاريخي.

المحاور الأول يقول "عايز تبقى الإدانة للفعل بغض النظر عن مرتكبه". وواضح أنه يريد أن يُجرد الفعل تماما من أي سياق زمني أو مكاني، لا يُهمه أن يكون الفعل قد أُرتكب من عشرة قرون أو قرنين أو أُرتكب في الوقت الحاضر، كما يريد أن يجرده من القيم والأعراف والتقاليد السائدة وقت ارتكابه، بل وأكثر من ذلك يريد أن يُجرد الفعل من ملابساته ودوافعه. هل الذي قَتَل، مثلا، قَتَل مع سبق الإصرار والترصد؟ هل هو شجار أفضى إلى قَتْل؟ هل كان القتل دفاعا عن النفس؟ هل هناك ظروف تستدعي تخفيف العقوبة؟ وهذا في القانون والقضاء، فما بالك بالتاريخ الأشد تعقيدا والممتد قرونا طويلة؟ لكن محاورنا لا يأبه بالتاريخ ولا بالظروف التي أحاطت بـ"الفعل"، بل يُريد أن يُدينه "بغض النظر عن مُرتكبه".

المحاور الثاني يُلخص تاريخ العرب والمسلمين على مدى أربعة عشر قرنا كاملة في جملة واحدة: "تاريخنا كعرب ومسلمين مليان بالدماء.." هكذا دون أي اعتبار للمراحل الزمنية التي جرت فيها أحداث ذلك التاريخ، دون أي تصور واضح لصورة العالم الذي جرت فيه تلك الأحداث، ودون أي مقارنة – على الأقل – بين ’الإمبراطورية العربية’ والإمبراطوريتين الرومانية والفارسية اللتين سبقتاها في المنطقة، وبإهدار كامل لأي إنجازات أو لأي إسهام حضاري قدمه العرب والمسلمون. "تاريخنا كعرب ومسلمين مليان بالدماء"، وانتهى الأمر وكان الله يحب المحسنين.

المحاور الثالث يقول صراحة: "استمرارنا في النظر للصراع مع الغرب (ومع الأقليات أو الأكثريات بين ظهرانينا) بصفتنا عرب ومسلمين لم ولن يؤدي بنا سنتيمترا واحدا للأمام". طيب. كيف نستمر؟ وبأي صفة؟ هل لنا صفة أخرى غير أننا عرب تؤمن غالبيتنا بالإسلام؟ (يجب أن يكون واضحا منذ البداية أنني حين أتحدث عن العرب لا أفرق بين عربي مسلم وعربي مسيحي وأنني مدرك تماما لقيمة وأهمية إسهام المسيحيين العرب كجزء لا يتجزأ من النسيج العربي). أعود لأسأل: هل المطلوب منا – هنا والآن – أن نقطع جذورنا تماما، أن نلغي التاريخ والجغرافيا؟ أن نبدأ صفحة جديدة تماما، نتبرأ فيها من كل تاريخنا وماضينا؟ هل هذا ممكن؟ هل حدث في أي مكان آخر؟

ماذا يتبقى لنا إذا ما انحلت عُرى النسيج الضامّ الذي يجمعنا، هل نتحول إلى جزر منعزلة وذرات متصادمة هائمة في الهواء؟

أعرف أن معتقدات الشعوب ورؤيتها للعالم تتغير. ولكن هذا التغير - الذي يستغرق بالضرورة مدة زمنية قد تَطُول أو تَقْصُر – يجب أن يبدأ من نقطة معينة، يجب أن يبدأ من بُقعة محدودة في العالم (جغرافيا) ومن تاريخ محدد. لا فكاك من الجغرافيا والتاريخ، ولا وجود لصفحات بيضاء في تاريخ الشعوب.

أعرف أن واقعنا العربي الراهن فيه الكثير مما يدعو إلى الإحباط والغضب. ولكن علينا – إذا كنا جادين في محاولة تغييره إلى الأحسن – أن نبدأ منه كما هو. أن نبدأ من أهلنا وناسنا كما هم. بدون استعلاء عليهم أو هروب إلى مسارات وسراديب وهمية مقطوعة الصلة بالواقع.

هل نريد إبداع رؤية جديدة أو نظرة جديدة؟ ليس هناك إبداع بدون جذور.. ليس هناك إبداع بدون "نحن" تكون هي المنبع والمصب. المفكر حين يُبدع يستجيب لاحتياج معين يطرحه عليه مجتمعه وعصره ثم يعود بإبداعه إلى الـ "نحن". الشاعر حين يبدع قصيدة لا يكتمل إبداعه إلا بالعودة إلى الـ "نحن". المخترع.. العالم.. الفنان .. كلهم منطلقهم ومرجعيتهم هي الـ "نحن". (للدكتور «مصطفى سويف» دراسة قيّمة حول هذا الموضوع بعنوان "الأسس النفسية للإبداع الفني").

لكنني، بعد هذا كله لا أُريد أن أظلم محاوريّ الثلاثة، فغياب ما أسميته بـ "الحس التاريخي" ظاهرة عامة يشكو منها المؤرخون الآن، لا في بلادنا فحسب، بل في "العالم المتقدم" أيضا. وهكذا نجد، على سبيل المثال، مؤرخا كبيرا مثل «إريك هوبسباوم»، يقول في مستهل كتابه عن تاريخ القرن العشرين: "إن تدمير الماضي، أو بالأحرى الميكانيزمات الاجتماعية التي تربط التجربة المعاصرة بتجربة الأجيال السابقة، هو ظاهرة من أهم الظواهر المميزة والغريبة في أواخر القرن العشرين، فمعظم الشبان والشابات في نهاية القرن درجوا على العيش في نوع من الحاضر الدائم يفتقر إلى أي صلة بالماضي العام للعصر الذي يعيشون فيه".
[Eric Hobsbawm, Age of Extremes: The Short Twentieth Century, Abacus, 1997, p. 3.]

لا أريد أن أظلمهم أيضا لأنني أعلم أن الواقع الذي نعيشه لا يغري كثيرا بالعودة إلى التاريخ، ولأنني أدرك أننا نعيش في عصر "الصورة" التي تُبهر أنظارنا بالحدث الراهن وتُغذي فينا الوهم بـ "الحاضر الدائم"، وأدرك فوق ذلك أن الكتب باهظة الثمن بعيدة عن متناولنا، وربما كانت بسبيلها إلى أن تصبح "موضة قديمة" وظاهرة منقرضة.

أقول مرة أخرى إن مهمتي صعبة.

ولكنني أُقدم عليها مؤمنا بجدواها، ساعيا قدر طاقتي إلى إقناع محاوريّ الثلاثة، مُسلما بأهمية ما يقولونه وأهمية الرد عليه. لا تُراودني أدنى رغبة في الظَفَر الرخيص أو فرض الرأي، فنحن نتحاور والحوار أخذٌ ورد. ولست أنكر عليهم فضلهم في دفعي إلى إمعان الفِكر ومُراجعة الرأي وصقل التصورات.

وأود أن أوضح من البداية أنني لا استهدف بمناقشتي أشخاصا معينين. وقد عمدت إلى عدم الإشارة إلى عناوين مدونات محاوريّ الثلاثة حرصا على ألا تتخذ المناقشة طابعا شخصيا، وألا يُشتمَّ منها أي انتقاد أو تجريح شخصي.

كل ما أرجوه الآن هو أن يستقبلوا كلامي برحابة صدر وأن يجد الجهد الذي بذلته صدى عندهم، وأن ينتظروني حتى أُتم حديثي الطويل جدا هذه المرة - فأنا مُطالب بالنظر في أربعة عشر قرنا من الزمان – ليطرحوا بعد ذلك كل ما يعن لهم من أسئلة واعتراضات، حتى لا تتشتت المناقشة ويضيع خيط الحوار، وأنا عندئذ تحت الأمر ورهن الإشارة.

لا أرتاب في نوايا أحد ولا أُفتش في الضمائر. فالناس عندي – كما كانوا عند شاعرنا الكبير «فؤاد حداد» "اثنان: الصادقون والمشتاقون إلى الصدق، الطيبون والمتلهفون إلى الطيب".

أرجو أن أكون عند حُسن الظن.


والحديث متصــــل ..

ليست هناك تعليقات: