21 أغسطس 2005

وخلّي قلبك عمره ما يسامح! *


لم تكن هذه هي أول مرة أندهش فيها من مقولة البعض "في بعض الأحيان لازم تدخل عسكري..." وكانت هذه الجملة في معرض "حل مشكلات الأنظمة الدكتاتورية في الدول العربية مثل آيراك -العراق سابقا-ً وسوريا - سيريا قريبا"

هناك أشياء كثيرة تظل تدهشني وتؤلمني كلما سمعتها... كقصة جريمة أمريكا في هيروشيما مثلاً. لا يمكن مهما حدث، أن تُذكر أمريكا دون أن يذهب عقلي إلى صورة أشخاص يحترقون ويتساقط جلدهم فيقفزون في البحر اعتقادا منهم أنه سيبرد أجسادهم، فيجدونه ماء مغلي مشبع بمواد كيميائية تكوي الجسد في لحظات...
قلت لي عدد القتلى كان كام في يوم واحد؟ ربعميت ألف؟؟ يعني أربعة وجنبها ستة أصفار؟ والجرحى اللي ماتوا بعد ال176 دكتور في مستشفى المدينة كانوا كام؟ مية وعشرين ألف؟ وضحايا المفاعل؟ لسه لغاية دلوقتي فيه ناس بتموت بسبب التسريبات؟ وكام حالة سرطان؟ وكام طفل؟ وكام شجرة؟ وبمناسبة الشجر... كام شجرة زيتون اقتلعها الإسرائيليون لبناء جدار الفصل العنصري؟

أنا مش عارفة كنت عايزة أقول ايه بالظبط لما بدأت أكتب... كان فيه حاجات كتير بتعدي في دماغي.. مسرحية الانتخابات... واحد مشكوك في أمره وفي انتماءاته ونزاهته.. واحد لابس قميص وكرافته وعنيه بتشر منها البلاهة ... واحد رافع صباعه وبيقول لي "اتخنقنا" ...ناس بتقول تغيير كأننا حنغير ملابس داخلية ولا جزمة... "تقدم" الغرب... "الديمقراطية"..."تحرير" العراق ... فيتنام... هيروشيما ونجازاكي... صبرا وشتيلا... الفلوجة... كلها أشياء منفصلة متصلة ترسم في النهاية صور سوداء ملطخة بالدماء

أعتقد ان الموضوع بدأ لما حاولت أسأل نفسي فين أولوياتي، ولقيت ان كل حاجة متلخبطة. الشيء الوحيد اللي كنت متأكدة منه هو ان مهما كانت الظروف لا يمكن أقف في نفس الصف اللي وقف فيه سفاحو هذه المجازر حتى لو كانت روحي في إيدهم.

قال أبي في أغنية "المسألة":

الأصيل مالهش في الدنيا دي حظ
والسعادة لكل قاسي قلبه فظ
يا ترى نركعله ولا نقوله طُظ!
حتى لو دماغنا تحت المقصلة...

هي ديه المسألة!
__________________

* العنوان من قصيدة لفؤاد حداد بعنوان "إكبر يا ليل" :
وما ينقطعش الجاي والرايح
خليك على طول الزمن أخضر
وخلي قلبك عمره ما يسامح
نحمل قديمنا ونحمل الصابح
ونعيش على قدام
ونتذكر...



هناك 18 تعليقًا:

Mohammed يقول...

مش هناقش يا سامية معاك مبدأ اننا نسامح او منسامحش أو مين مسؤول

بس يا ريت تضيفي للأمريكان

الاسرائيليين
مسيحيين و دروز و مسلمين لبنان ( عدي هنا كل جرائم و مذابح الحرب الأهلية)

الايطاليين ( ليبيا)
الالمان ( الهولوكوست)
المصريين ( ما ارتكبه الجيش المصري في اليمن)
البريطانيين و الهولنديين و البرتغاليين و البلجيكيين و بقية المستعمرين
الأتراك ( الهولوكوست الأرمني)
العراقيين ( ما ارتكبه الجبيش العراقي في الكويت و ما ارتكبه ضد الايرانيين)
الفرنسيين ( الجزائر و بقية المستعمرات)
الايرانييين ( ما ارتكبوه ضد العراقيين ، و ضد اللاجئين الأفغان)
الأردنيين ( ايلول الأسود)
اليابانيين ( كل ما قاموا به في جنوب شرق آسيا)
السودانيين ( دارفور)
العمانيين ( تجارة العبيد)

أكملي القائمة من فضلك...

سامية يقول...

والله يا محمد لم يطلب مني أحد أن أضع يدي في يد الأردنيين أو الإيرانيين لكي أقضي على الفساد في بلدي وأحررها. لما ييجي الزمن اللي كل وسائل الإعلام تحاول تقنعني فيه إن الأردن بلد مسالم وتركيا تسعى لنشر السلام في العالم، تأكد اني حكون من أول المعترضين

كما ان لا أحد ممن ذكرت يدعي حماية حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية

ولا إيران ولا اليابان ولا السودان ولا حتى ألمانيا ادعت أن مهمتها هي تحرير الشعوب من القهر والدكتاتورية

Mohammed يقول...

طيب و ايه المانع يبقى فيه حد بيحاول يقضي على الفساد أو يدافع عن حقوق الانسان أو الديوقراطية في بلده من غير ما يضع يده في يد الأمريكان أو غيرهم؟

عمرو يقول...

يا سيدي وهي قالت إن فيه مانع. هي كانت بتتكلم عن ناس تعرفهم - من ناشطي حركة كفاية الليبرايين - إللي قعدوا يحللوا النظم العربية ويحاكموها ويصدروا الأحكام النهائية ويقولوا مثلا في حالة سوريا "لازم تدخل عسكري" وطبعا في نفس الوقت قاعدين يدافعوا عن أمريكا وبوش وخططهم لنشر ديموقراطيتهم وليبراليتهم وحقوق إنسانهم .. حاجة تعل من الآخر يعني.

أما عن القائمة إللي ذكرتها في الأول فبغض النظر عن رأيي فيها فأنا مافهمتش عايز تقول إيه أصلا.

غير معرف يقول...

عايز يقول ايه الاخ محمد؟ عايز بقول ان الانسان عدوانى بطبعه, وان اللى بيعمله الامريكان عملته قبلهم كل الشعوب 0 طيب وبعدين؟ ونسيت ليه ياأخ محمد تضيف الهكسوس والتتار والفينيقيين والعبرانيين والمصريين القدماء والفرس والاغريق وبلاد واق الواق وبلاد تركب الافيال؟ ونسيت ليه اصلا تقول ان النوع البشرى بتاعنا قضى على انواع بشرية اخرى( انسان النياندرتال مثلا) ؟ كل ده عشان نطلع خالصين ، ويطلع الامريكان براءة, وكل شعب يقول للتانى" لاتعايرنى ولا أعايرك الهم طايلنى وطايلك" ؟ طيب لو الحكاية كده، والانسان عدوانى بطبعه، والشاطر اللى يتغدى بالتانى قبل مايتعشى بيه، ، يبقى مفيش فايده ، وتبقى داوشنا ليه فى البلوج بتاعك بكلام عن الديموقراطية وحقوق الانسان؟

Mohammed يقول...

بالعكس يا أخ مجهول
مش عايز أقول ان أمريكا براءة و لا اننا خالصين ( هما مين اللي بيعود عليهم النون في كلامك؟) ولا عايز أقول ان مفيش أمل في البشرية

عايز تبقى الادانة للفعل بغض النظر عن مين مرتكبه ، مش مجرد تغذية لمشاعر الشوفينية و الكسل الاخلاقي أو ان احنا نقعد مرتاحين نمدح نفسنا و ماضينا و تاريخنا و نشيطن اللي مختلفين معاه : هوا الشيطان الأكبر ، يبقى احنا الملايكة

أو ان يبقى الناس التانية "الاتراك" ، " العراقيين" ، " الأمريكان" كتل مصمتة ، مفيش جواها اختلاف ولا تمايز

الدليل ليا اني اقرا التاريخ و القرف اللي ماليه و مفقدش الامل و في نفس الوقت أفضل واقعي و أحاول افهم ليه بيحصل كده و في نفس الوقت ادور على أمل في الوقائع التاريخية هوا مؤرخ اسمه هوارد زن

هقتبس هنا جزء - طويل شوية ، أنا آسف- من كتاب ليه:

My point is not that we must, in telling history, accuse, judge, condemn Columbus in absentia. It is too late for that; it would be a useless scholarly exercise in morality. But the easy acceptance of atrocities as a deplorable but necessary price to pay for progress (Hiroshima and Vietnam, to save Western civilization; Kronstadt and Hungary, to save socialism; nuclear proliferation, to save us all)-that is still with us. One reason these atrocities are still with us is that we have learned to bury them in a mass of other facts, as radioactive wastes are buried in containers in the earth. We have learned to give them exactly the same proportion of attention that teachers and writers often give them in the most respectable of classrooms and textbooks. This learned sense of moral proportion, coming from the apparent objectivity of the scholar, is accepted more easily than when it comes from politicians at press conferences. It is therefore more deadly.

The treatment of heroes (Columbus) and their victims (the Arawaks)-the quiet acceptance of conquest and murder in the name of progress-is only one aspect of a certain approach to history, in which the past is told from the point of view of governments, conquerors, diplomats, leaders. It is as if they, like Columbus, deserve universal acceptance, as if they-the Founding Fathers, Jackson, Lincoln, Wilson, Roosevelt, Kennedy, the leading members of Congress, the famous Justices of the Supreme Court-represent the nation as a whole. The pretense is that there really is such a thing as "the United States," subject to occasional conflicts and quarrels, but fundamentally a community of people with common interests. It is as if there really is a "national interest" represented in the Constitution, in territorial expansion, in the laws passed by Congress, the decisions of the courts, the development of capitalism, the culture of education and the mass media.

"History is the memory of states," wrote Henry Kissinger in his first book, A World Restored^ in which he proceeded to tell the history of nineteenth-century Europe from the viewpoint of the leaders of Austria and England, ignoring the millions who suffered from those statesmen's policies. From his standpoint, the "peace" that Europe had before the French Revolution was "restored" by the diplomacy of a few national leaders. But for factory workers in England, farmers in France, colored people in Asia and Africa, women and children everywhere except in the upper classes, it was a world of conquest, violence, hunger, exploitation-a world not restored but disintegrated.

My viewpoint, in telling the history of the United States, is different: that we must not accept the memory of states as our own. Nations are not communities and never have been, The history of any country, presented as the history of a family, conceals fierce conflicts of interest (sometimes exploding, most often repressed) between conquerors and conquered, masters and slaves, capitalists and workers, dominators and dominated in race and sex. And in such a world of conflict, a world of victims and executioners, it is the job of thinking people, as Albert Camus suggested, not to be on the side of the executioners.

Thus, in that inevitable taking of sides which comes from selection and emphasis in history, I prefer to try to tell the story of the discovery of America from the viewpoint of the Arawaks, of the Constitution from the standpoint of the slaves, of Andrew Jackson as seen by the Cherokees, of the Civil War as seen by the New York Irish, of the Mexican war as seen by the deserting soldiers of Scott's army, of the rise of industrialism as seen by the young women in the Lowell textile mills, of the Spanish-American war as seen by the Cubans, the conquest of the Philippines as seen by black soldiers on Luzon, the Gilded Age as seen by southern farmers, the First World War as seen by socialists, the Second World War as seen by pacifists, the New Deal as seen by blacks in Harlem, the postwar American empire as seen by peons in Latin America. And so on, to the limited extent that any one person, however he or she strains, can "see" history from the standpoint of others.

My point is not to grieve for the victims and denounce the executioners. Those tears, that anger, cast into the past, deplete our moral energy for the present. And the lines are not always clear. In the long run, the oppressor is also a victim. In the short run (and so far, human history has consisted only of short runs), the victims, themselves desperate and tainted with the culture that oppresses them, turn on other victims.

Still, understanding the complexities, this book will be skeptical of governments and their attempts, through politics and culture, to ensnare ordinary people in a giant web of nationhood pretending to a common interest. I will try not to overlook the cruelties that victims inflict on one another as they are jammed together in the boxcars of the system. I don't want to romanticize them. But I do remember (in rough paraphrase) a statement I once read: "The cry of the poor is not always just, but if you don't listen to it, you will never know what justice is."

I don't want to invent victories for people's movements. But to think that history-writing must aim simply to recapitulate the failures that dominate the past is to make historians collaborators in an endless cycle of defeat. If history is to be creative, to anticipate a possible future without denying the past, it should, I believe, emphasize new possibilities by disclosing those hidden episodes of the past when, even if in brief flashes, people showed their ability to resist, to join together, occasionally to win. I am supposing, or perhaps only hoping, that our future may be found in the past's fugitive moments of compassion rather than in its solid centuries of warfare.

That, being as blunt as I can, is my approach to the history of the United States.

غير معرف يقول...

الله ينور عليك ياأخ محمد0بس بدمتك انت فهمت هوارد زن عايز يقول ايه؟الراجل بيقول ان الواحد يجب ألا يتهم او يحكم اويدين "غيابى" يعنى بمعزل عن العصر والظروف والملابسات التاريخية ، لأن دى حتكون أحكام فى المطلق00 أحكام مجردة ملهاش أى قيمة علمية0 يعنى مثلا انا مقدرش انتقد افلاطون او ارسطو لأنهم لم ينتقدوا نظام العبودية0 ليه؟ لأن دا كان العصر اللى عاشوا فيه، ولأن ماكانش فيه لسه تصور لمجتمع آخر مختلف، والأهم من كده ا، الظروف ماكانتش نضجت لحدوث مثل هدا التحول الاجتماعى (يتبع)

غير معرف يقول...

بالمثل ماقدرش آجى النهارده واحكم على موقف مفكرين او شعوب عاشوا من عشر قرون او حتى فى الفرن الحالى ويكون معيارى فى الحكم هو القيم والمعايير السائدة فى عالمنا اليوم0 مش ده اللى انت عملته بالظبط؟ حطيت قائمة طويلة وجمعت الشامى على المغربى وخلطت الحابل بالنابل، قال وايه عايز سامية تكمل القائمة0 مش ده أسوأ بكتير من البحث الأكاديمى الأخلاقى اللى بيقول زن ان" مالوش فايده"؟0 انا رأييى انه مش بس مالوش فايده لأنه بالتأكيد حيكون ضار ومضلل (يتبع

عمرو يقول...

مقاطعة سريعة. وقبل ما أناقش كلام هوارد زن والمعلق المجهول. عايز أعرف الأول يا محمد "الادانة للفعل بغض النظر عن مين مرتكبه" دي تقصد بيها إيه وحتوصلني لإيه قبل ما أوافق أو أعترض. يعني هل مثلا بتميز وبتفرق بين "القاتل الإسرائيلي" وبين "القاتل الفلسطيني" ولا لأ.

غير معرف يقول...

محدش قال يا محمد إن الفلسطينين كتلة صماء .. لأ فيهم الكويس والبطّال. بس هما كلهم كشعب ضحايا معتدى عليهم ومغتصبة حقوقهم. وإسرائيل هي المعتدية والمغتصِبة. نفس الكلام ينطبق على العراقيين بس أمريكا هي المعتدية والغاصبة. دي الحقيقة الجوهرية اللي مش عايزة لف ولا دوران ولا تدوير في الدفاتر عشان أشجع اللعبة الحلوة وانتقد اللعبة الوحشة بروح رياضية نزيهة و "شيك" وأنا قاعد في مقاعد المتفرجين. هوارد زن له كتاب عنوانه "You Can't Be Neutral On A Moving Train" يعنى ماحدش ممكن يبقى محايد أثناء حركة التاريخ. ممكن يبقى غير مكترث بس ده برضه يبقى موقف ومش حياد.

محدش قال اننا ملايكة أو أجدع ناس أو إننا معصومين من العيوب بل ومن الخطايا في بعض الأحيان. بس لازم نعتز بكل ما هو ايجابي فينا وفى تاريخنا. مفيش شعب تقدم أو نهض وما كانش عنده اعتزاز بنفسه وبقدراته. اليابانيين لحد النهارده - وفى عصر العولمة اللي إحنا عايشين فيه – مابيشتروش غير السلع اللي بتنتجها بلادهم، والأمريكان بيصرخوا من العجز الكبير في الميزان التجاري بينهم وبين اليابان. وأرجوك بلاش الكلام الكبير عن " الشوفينية". كفاية جلد في الذات وتكسير في المقاديف. لو كنت تقصد بالشوفينية الاعتزاز القومي فده شيء ايجابي لأننا شعوب مضطهدة ومضروبة على قفاها من النظام العالمي. ده دفاع عن هويتها في مواجهة القوى العاتية اللي عايزة تقضي على هويتها وتغسل مخها. يمكن لو سألت هوارد زن في الغالب حيقولك نفس الكلام، لأن هوارد زن كما تعلم متأثر تأثر قوى بالماركسية. والماركسيين من زمان بيقولوا إن النزعة القومية لدى الشعوب المقهورة والمستعمَرة (بفتح الميم الأخيرة) قوة تقدمية وايجابية لأنها موجهة ضد الإمبريالية. التسوية بين الجلاد والضحية مش ظلم وبس، ده خطأ علمي وموقف بعيد عن الموضوعية .. مش عارف بعد كده حتستمر في الاستشهاد بهوارد زن ولا إيه؟

إحنا عمرنا ما قلنا - على الأقل في التاريخ الحديث - إننا العنصر المتفوق. عمرنا ما قلنا "العرب فوق الجميع" ولا إننا "شعب الله المختار". القرآن بيقول "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا". يعني ماعندناش لا عنصرية ولا شوفينية والحمد لله. يمكن عندنا للأسف مبالغة في جلد الذات والتفتيش عن عيوبنا واختراعها في بعض الأحيان. الشوفينيين النهارده هما الأمريكان والإسرائيليين وكل المؤيدين لهم. إقرا المحافظين الجدد بيقولوا إيه. إقرا شيلزنجر وهو بيقول إنهم (أي الأمريكان) حققوا مستوى من القوة والرفاهية يتفوق على الآخرين جميعا، وإنهم مصممين على المحافظة على هذا المستوى ومنع الآخرين ، بالقوة العسكرية إذا لزم الأمر، من الوصول إليه. الشوفينيين النهارده هما اللي بيصدروا قوانين زى ال "Patriotic Act" وطظ في حقوق الإنسان وفي ابسط مبادئ الديموقراطية وفي سيادة الدول وفي القانون الدولي وحتى في مبادئ الدستور الأمريكي نفسه. وده كله – ويا للعجب - باسم الديموقراطية. أمال إيه .. مش أمريكان سوبر.

ودي هي الشوفينية النهارده.. وأي كلام عن شوفينيتنا إحنا في الوقت الحاضر هو تمييع للحقائق وصرف للأنظار عن الواقع اللي باين زى عين الشمس. وخدمة للحملة المسعورة اللي بتحاول تقنع العالم إن العربي والمسلم بيحمل بطبيعته جينات التعصب والإرهاب.

وزى مابيقول جون بلجر:
"Today's slogan 'war on terrorism' also reverses the meaning. The war is terrorism. The most potent weapon in this 'war' is pseudo-information, different only in form from that Orwell described, consigning to oblivion unacceptable truths and historical sense. Dissent is permissible within 'consensual' boundaries, reinforcing the illusion that information and speech are 'free' "

هما دول يا أخ محمد اللي يقدروا "يشيطنوا" اللي عايزين يشيطنوه ويؤلهوا اللي عايزين يؤلهوه. هما اللي بيملكوا كل أجهزة الإعلام المؤثرة على امتداد العالم كله .. الصحافة والتليفزيون ونشر الكتب وإنتاج الأفلام وقواعد البيانات، وهما اللي عندهم أجهزة عملاقة مزودة بتكنولوجيات لا تخطر لك على بال وبيصرفوا عليها المليارات لهذا الغرض. ومادمت بتقرا لهوارد زن يبقى ممكن تقرا كمان لناعوم تشومسكي أو جون بلجر أو انيازيو رامونيه ( مدير تحرير لوموند دبلوماتيك الفرنسية) وتشوف بيقولوا إيه عن وسائل الإعلام في أمريكا وانجلترا وفرنسا ومين بيملكها ويسطير عليها وحتكتشف ، بالأرقام والحقائق، إن الأغلبية الساحقة منها مملوكة لأكبر شركات البترول وصناعة السلاح في العالم.

أرجوك يا محمد يا عزيزي أن تكف عن تعذيب نفسك بحكاية الكسل الأخلاقي في الموضوع ده بالذات. لا أنا ولا إنت نقدر نشيطن حد .. دي عايزة إمكانيات اكبر مننا بكتير قوى. يادوب حتة بلوج بيقراه خمسة أو عشرة أو خمسين بالكتير يمكن غالبيتهم بيتسلوا وبيتفرجوا وبينتقدوا "in absentia" على رأي هوارد زن.

المرة دي أنا اللي حاقتبس من هوارد زن. اسمع يا سيدي:

"But to think that history-writing must aim simply to recapitulate the failures that dominate the past is to make historians collaborators in the endless cycle of defeat."

عايز تبقى 'collaborator in the endless cycle of defeat' يا أخ محمد؟

مع تقديري الصادق وخالص تحياتي.

سامية يقول...

مع إني ماكنتش أتخيل ان الموضوع حياخد هذا المجرى لكن أرجوكم تستمروا ... أنا مستفيدة جداً من هذا الحوار

Lone Wolf يقول...

إحنا عمرنا ما قلنا - على الأقل في التاريخ الحديث - إننا العنصر المتفوق. عمرنا ما قلنا "العرب فوق الجميع" ولا إننا "شعب الله المختار".

انا لا اريد الانغماس في تلك المناقشة,بس يا اخ مجهول لو كنت تقصد ب"احنا" العرب و المسلمين في مجمل تاريخهم فأنا بسجل اعتراضي الشدي علي الكلام دة,انا مش منظر علشان اتكلم معاك,لاني ما عنديش حاجة انظر لها,بس انا بسجل اعتراضي

غير معرف يقول...

الى العزيزين

محمد الدى سكت( عسى المانع يكون خيرا)00

ولون وولف(آنس الله وحشته) الدى ابدى اعتراضه الشديد دون ان يبين اسبابه00
والى جميع قراء هده المدونة الغراء00

انتظرونى فى رد مطـــــــول

غير معرف يقول...

مش عارف ليه حاسس ان محمد زعل! إنت بدأت موضوع مهم وحساس يا محمد مش مفروض تزعل لما تلاقى وجهات نظر مختلفة. انا كمان مش فاهم يا لون ولف ليه انت معترض وبشدة كمان. هو فيه حد في الشعوب العربية قال إنه شعب الله المختار وإنه فوق الجميع؟ وحتى اذا كان ده حصل (وهو محصلش) فهما أكيد أقلية لأن أسلوب التعالي دا يتعارض مع طبيعة الدول العربية عموماالمسيحي فيهاوالمسلم...

مايكل سامي من الإسكندرية
(معلش معنديش لسة بلووج)

عبد السلام أبو زيد يقول...

أين الرد المطول يا أنونيماس
نتفقد هذا الحماس الهادئ وهذه الرؤية الواضحة

عبد الحق يقول...

مساء الخير على العزيزين «محمد» و«لون وولف» وشكراً جزيلاً للأخ «مايكل» و الأخ «عبد السلام». ومعلش اتأخرت عليكم شوية.

لنتفق أولاً على مبدأ هو: أن ننظر إلى أي ظاهرة اجتماعية أو سياسية أو إيديولوجية في إطارها التاريخي... مفيش ظاهرة اجتماعية أو فكرية يمكن أن تُدرس أو يُحكم عليها بمعزل عن العصر اللي ظهرت وتطورت فيه، ومفيش مُفكر يقدر يتحرر من عصره، يمكن يتمرد على حاجات موجودة في عصره... بس في الحالة دي بيكون بيعبر عن مطلب اجتماعي موجود في ذلك العصر... بتكون الظروف نضجت لإحداث تغيير أو بتكون هناك إرهاصات (بدايات أولى متواضعة) لهذا التغيير. من غير كده حيكون تمرده تمرد عاجز ويفضل حبر على ورق، أو صرخة في وادٍ كما يقول العرب، ويقول له التاريخ (أو "دهاء التاريخ" بتعبير الفيلسوف الألماني «هيجل»): " لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تُنادي". والتاريخ حافل بالأمثلة. بالاختصار الإنسان مش ممكن يتحرر من التاريخ.

يعني زي ما قلت للأخ «محمد» (وبالمناسبة أنا لا أقصد مهاجمته أو تجريحه ، كل ما أقصده هو أن أضع أمامه وجهة نظر مختلفة وأستدعي نظره لأمور ربما لم يأخذها في اعتباره. محدش بيحتكر الحقيقة. ومفيش "حقيقة مطلقة" في الفكر البشري) ، أرجع تاني وأقول للأخ «محمد» والأخ «لون وولف» (الذئب المستوحش آنس الله وحدته) إني مقدرش مثلاً أهاجم «أفلاطون» لأنه لم ينتقد نظام العبودية، بل أَخَذَه كحقيقة مسلمة في "جمهوريته"، مقدرش أقول عليه رجعي، لازم أبُص له في ظروفه وهل كانت هذه الظروف تسمح بتجاوز نظام العبودية أم لا. أنا أتفق مع «ماركس» في قوله إن مفيش نظام اجتماعي بيختفي غير بعد ما يكون استنفد كل أغراضه وأعطى كل ما عنده (دي قضية فرعية ولكنها مهمة جداً في اعتقادي). عندئذ تنشأ الحاجة للتغيير وترتفع الأصوات مطالبة به ويصبح المفكر قادراً على تحريك الناس. (اقرأ مثلاً عن تاريخ فرنسا قبل الثورة الفرنسية عام 1789 أو تأمل الحياة السياسية والفكرية في مصر قبل ثورة 23 يوليو 1952)

هل اتفقنا على ضرورة النظر لكل ظاهرة سياسية أو اجتماعية أو فكرية في إطار عصرها وظروفها؟ أعتقد إن ده أصبح شيء بديهي في عصرنا الحاضر. ولكن للأسف ناس كتير بينسوه إما عن سذاجة أو قلة خبرة وإما عن غرض، والغرض مرض كما يقول المثل.

في ضوء هذا الكلام أنا لا أستطيع أن أقبل موقف الذين ينتقدون موقف القرآن والسنة من قضية المرأة مثلاً. لماذا؟ لأن هؤلاء لا يعرفون، أو يتناسون عن قصد، العالم كله كان شكله إيه في الوقت ده. هؤلاء يتناسون أن القانون الروماني ظل لفترة طويلة جدا يعطى للرجل حق الحياة والموت على زوجته وأولاده. يعني الراجل لو قتل مراته أو ابنه أو بنته محدش له حاجة عنده. ده حقه القانوني. العرب قبل الإسلام كانوا بيدفنوا بناتهم أحياء. الهندوس كان عندهم الزوجة بتتحرق حيه عند موت الزوج.. وده تقليد استمر عندهم لغاية وقت قريّب. وممكن أسرد لكم أمثلة أخرى كثيرة عن وضع المرأة في الحضارات القديمة ولدى الشعوب في العصور السابقة.

حد ممكن يقول: طيب والحقوق السياسية للمرأة؟ والرد بسيط: موقف المجتمعات المسلمة من هذه القضية، وخصوصاً في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية، كان يمكن أحسن من موقف كل المجتمعات المعاصرة (أي معاصرة لتلك المجتمعات المسلمة، عشان «محمد» ميقوليش الضمير بيعود على مين). يعني الإسلام أعطى للمرأة الحق في أن تكون لها ذمة مالية مستقلة عن الأب أو الزوج، وده مش مجرد حق اقتصادي، ده حق سياسي بالتأكيد. ليه؟ لأن ده معناه اعتراف بالمرأة كشخصية قانونية مستقلة. إعتراف بالمرأة ككائن بشري له كيانه المستقل عن الرجل. وبعض الفقهاء أعطى للمرأة حق ولاية القضاء.. وده بالتأكيد حق سياسي..

حيرد علي واحد ويقول بس القرآن بيقول "الرجال قوامون على النساء". أي نعم: الرجال قوامون على النساء. لكن هل ده معناه إن الرجل أفضل من المرأة؟ لازم نفهم أولاً معنى كلمة "قوامون". نرجع إلى لسان العرب، قال "وقد يجيء القيام بمعنى المحافظة والإصلاح، ومنه قوله تعالى "الرجال قوامون على النساء" وليس يراد ها هنا .. القيام الذي هو المثول والتنصب وضد القعود، إنما هو من قولهم قمت بأمرك، فكأنه يعني، والله أعلم، الرجال متكفلون بأمور النساء معنيون بشؤونهم" (لسان العرب، طبعة دار المعارف، المجلد الخامس، الصفحتان 3781 و3785). المعنى إذن هو أن من واجب الرجل المحافظة على المرأة والعناية بشؤونها. طيب ده وحش في إيه؟ ممكن نجد تفسير آخر يقول أن "قوامون" جاية من القيام أي التهيؤ للدفاع وخوض الحرب، فكلمة "قوم" معناها في العربية، أو على الأقل لدى معظم علماء اللغة، الجماعة من الرجال دون النساء لأن الرجال هم الذين "يقومون" للحرب. نرجع تاني للسان العرب: "وقيل (أي القوم) للرجال خاصة دون النساء، ويقوي ذلك قوله تعالى ’لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن‘. فلو كانت النساء من القوم لم يقل ولا نساء من نساء، وكذلك قول «زهير» (الشاعر زهير ابن أبي سلمى):

"ما أدري وسوف إخال أدري
أقومٌ آل حصنٍ أم نساءُ؟"

(لسان العرب، المجلد نفسه ص 3786)

طبعاً صديقي العزيز «محمد» ممكن يقوللي دلوقتي: اظبط! شايف «زهير بن أبي سلمى» بتاعك ده بيحتقر المرأة ازاي؟ وحقول له معلش يا عزيزي ده شاعر جاهلي نسيبه على قد عقله .. العصر بتاعه كان كده، والدنيا كلها كانت كده على أيامه، والاتجاه ده – أقصد استعلاء الذكر على الأنثى – موجود لحد النهارده – على الأقل على المستوى الشعبي – حتى في المجتمعات الأمريكية والأوروبية "المتقدمة" ولغاية دلوقتي الحركات النسائية أو الأنثوية feminist بتشتكي من استمرار سيطرة الذكور وقيم النظام البطريركي – يعني سيطرة الأب – في البلاد الرأسمالية الغربية.

نرجع لموضوعنا، ونقول إننا لو أخذنا بالتفسير الأخير لمعنى كلمة "قوامون"، حنلاقي إن المعنى هو إن من واجب الرجال الدفاع عن النساء أثناء الحرب. طب وإيه الغلط في كده؟ وده منطقي جداً.. لازم يدافعوا عن نساءهم ويستموتوا في الدفاع عنهم كمان لأن النساء في الزمن ده كانوا بيتاخدوا سبايا.. وده - والله العظيم يا «لون وولف» – ماكانش عند العرب لوحدهم.. كان عند الشعوب كلها في ذلك الوقت. ويمكن العرب المسلمين كانوا أرحم من غيرهم بكتير (ارجع مثلاً لوصايا «عمر بن الخطاب» لقادة جيوشه).

نخلص من ده كله بأن الإسلام ساوى بين الذكر والأنثى في الإنسانية. الأنثى مكلفة دينياً مثل الذكر تماماً وعلى قدم المساواة. والقرآن بيخاطب الرجل والمرأة على حد سواء. واحد حيقول طيب وحق الميراث ليه ما فيهوش مساواة بين الرجل والمرأة؟ حرد عليه بالفم المليان وأقول إن ده شيء عظيم جداً في وقت كان الرجل يتحمل فيه كل أعباء الإنفاق على الأسرة، في وقت كانت فيه نظم قانونية في بلاد أخرى تحرم المرأة من الميراث ولا تعطيها الحق في أن تكون لها ذمة مالية أصلاً. وهناك أنظمة كانت تقصر حق الميراث على الذكر الأكبر حتى لا تتفتت الملكية. وهناك أنظمة أخرى كانت تخضع الميراث للوصية.. وهكذا.

(طبعاً فاكرين «الملك لير» وازاي وزع تركته على بناته الثلاثة، أو على اثنين منهم على الأصح. بس دي كانت "دوطة" للأزواج.. يعني للذكور برضه. واللي جه يحاول ينقذه كان جوز البنت الصغيرة ومش البنت نفسها... يعني "الرجال قوامون على النساء" برضه)

طيب وفي الوقت الحاضر اللي المرأة فيه بتشارك في حمل الأعباء المالية مع الراجل، حنقول إيه؟ حنقول إن الإسلام ما بيسدش الباب بالضبة والمفتاح. الراجل أو الست (طبعاً اللي ربنا فاتح عليهم وعندهم حاجة ممكن يورثوها لأولادهم) اللي حاسين إن بناتهم محتاجين أو إن ولادهم الذكور عندهم ما يكفيهم قدامهم منافذ كثيرة: الوصية في حدود ثلث التركة، والبيع أو الهبة للبنات أثناء حياة المورث أو المورثة. ودي كلها حاجات حلال ومحدش يقدر يقول فيها تلت التلاتة كام. المهم انه ما يظلمش حد: "الظلم ظلمات يوم القيامة" ؛ والمثل الشعبي بيقول "من حكم في ماله فما ظلم" بس طبعاً من غير سفه ولا جور على حقوق حد لأن ده بينهى عنه الإسلام.

طيب ونروح بعيد ليه. النهارده الأغلبية الساحقة من البلاد الإسلامية بتتمتع فيها المرأة بحقوقها السياسية. لها حق الانتخاب وحق عضوية البرلمان.. حتى في اليمن اللي كان بيحكمها منذ بضعة عقود إمام مشعوذ بيدعي العصمة والقداسة (والأخ «محمد» زعلان وبيتكلم عن "مذابح الجيش المصري" في اليمن، لو كان راح اليمن كان شاف اليمنيين بيحبوا مصر وعبد الناصر قد إيه. يا أخ «محمد» لسه لغاية النهارده فيه حزب اسمه «الحزب الناصري» في اليمن. ولو كنت شفت في الفضائيات صور مظاهرات اليمنيين احتجاجاً على غزو العراق كنت حتلاحظ إن كتير منهم رافعين صور «جمال عبد الناصر». وده رغم إن ’اخواننا البُعدا‘ بيشيطنوا عبد الناصر ويشوهوا صورته من عام 1955 لغاية دلوقتي). وفي إيران، يعني حتى في بلد ’ولاية الفقيه‘، نسبة النساء في البرلمان أضعاف نسبة النساء في الكونجرس الأمريكي... دي مجرد أمثلة. طيب هل خرجت الشعوب المسلمة غاضبة تقول إن إعطاء المرأة حق الانتخاب ودخولها البرلمان "رجس من عمل الشيطان"؟ محصلش. عندنا في مصر المرأة بتتمتع بحقوقها السياسية من أكتر من خمسين سنة، وده ماكانش تحت ضغط الأمريكان ’حماة الديمقراطية وحقوق الإنسان‘.. لأ دا كان بتأثير التحولات الاجتماعية الداخلية اللي كانت بتعيشها مصر في تلك الفترة...

أكثر من كده هناك دول إسلامية معاصرة وصلت فيها المرأة إلى أعلى المناصب. يعني رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء.. «بينظير بوتو» في باكستان و«ميجاواتي سوكارنو» في إندونيسيا و«طانسو تشيللر» في تركيا (للعلم تركيا فيها تيارات إسلامية جماهيرية قوية جداً رغم ’علمانية‘ الدولة) هل خرجت الجماهير المسلمة في البلاد دي وكسرت الدنيا احتجاجاً على وصول نساء إلى هذه المناصب؟ بالعكس الجماهير هي اللي جابتهم للسلطة وعن طريق الانتخابات.

ده كله معناه إيه؟ معناه إن العقيدة الإسلامية، كما تعيش في قلوب الجماهير، مابترفضش التطور ومابتسدش الباب قدام التقدم. معناه إن الإسلام الحي، الإسلام اللي عايش في قلوب ملايين الناس وليس في أمخاخ بعض المتزمتين، مش هو العقبة وان فيه (أي في الإسلام) مرونة وحيوية تخليه قادر على الاستجابة لاحتياجات العصر.

نضرب بعض الأمثلة: في أواخر القرن التاسع عشر أصدر الخليفة العثماني، السلطان «عبد الحميد» في الوقت ده، فرمان يأمر الجنود الانكشارية بخلع العمم (العمائم) اللي كانوا بيلبسوها على روسهم ولبس الطرابيش بدلاً منها (طرابيش زي اللي كان الأفنديات المصريين بيلبسوها على روسهم لغاية سنة 1950 تقريباً). وكانت النتيجة ثورة عارمة: رفض العساكر، وخرجت الناس في الشوارع تكسر وتحرق احتجاجاً على هذه البدعة (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، بس دي يا ناس بدعة لا تمس جوهر الدين في شيء!) هل ده ممكن يحصل النهارده؟ طبعاً مستحيل. الأتراك خلعوا العمم والطرابيش وعندهم دلوقتي بيوت أزياء بتنافس البيوت الأوروبية.. ومع ذلك فضلوا مسلمين. تشوف الجوامع هناك يوم الجمعة مليانة لآخرها. المصريين وكثير من العرب التانيين خلعوا العمم والطرابيش بهدوء ومن غير كلام عن البدع ولا مناداة بالويل والثبور للمتفرنجين المارقين. حتى ’آيات الله‘ في إيران ميقدروش يقولوا للإيرانيين النهارده اخلعوا البدل والبسوا الجلباب والعمامة. معنى كده إيه؟ معناه إن التطور بيشق طريقه، وإن المسلمين مابيرفضوش التجديد. مادام لا يتعارض مع أصل من أصول الدين. ولا أعتقد أن هناك تجديد جوهري أو مفيد أو ضروري يمكن أن يتعارض مع أصل من أصول الإسلام.

هل ده تبسيط للأمور؟ هل معنى ده إن كله تمام وإن ’ليس في الإمكان أبدع مما كان‘؟ لأ.. ده تركيز على ما هو جوهري. عارف إن فيه ناس متحجرين ويمكن ’ظلاميين‘ كمان.. لكن دول مش الكتلة الأساسية.. دول تيارات هامشية لا تمثل الغالبية الساحقة من المسلمين. ودي ظاهرة طبيعية تماماً في فترات التدهور والإحباط. لما الناس تبص قدامها ماتلاقيش أفق واضح. لما المثقفين بتوعهم يقولولهم: حياتكم كلها هزائم وتاريخكم مافيهوش حاجة مضيئة. دي ظاهرة وجدت في حياة شعوب كثيرة. فإذا استطاعت الشعوب أن تنهض .. بتختفي هذه الظاهرة بالتدريج إلى أن تزول تماماً.

هي دي مشكلتنا الكبرى النهارده.. إن إحنا ننهض.. إن إحنا نتحرك للأمام.. إن إحنا نحقق لشعوبنا مستوى حياة أحسن.. وتعليم أحسن.. ومشاركة متزايدة في صنع القرار وفي تغيير حياتها من غير استعلاء عليها.. وبالاستماع لها والتعلم منها.

وعشان كده لازم نركز على ما هو جوهري.. أما الثانوي والهامشي فنضعه في حجمه الحقيقي بدون مبالغة أو تضخيم. الأخ «محمد» بيهاجم اللي بيشيطنوا الآخرين ويعاملوهم كأنهم كتلة صماء مصمتة أو متجانسة تماماً. لأ يا أخ «محمد» محدش يقدر يقول إن الأمريكان (أو الإسرائيليين حتى) كتلة متجانسة أو صماء.. إحنا عدونا مش الشعب الأمريكي.. الشعب الأمريكي خرج في مظاهرات مليونية ضد غزو العراق.. الشعب الأمريكي ساهم بدور مهم جداً في وقف حرب فيتنام، بس الدور الرئيسي والجوهري كان طبعاً مقاومة الفيتناميين أنفسهم.. الشعب الأمريكي فيه مفكرين ومثقفين عظام نحترمهم ونتعلم منهم.. بس برضه نحلل ونفرز، ونشوف المفيد في أفكارهم ونستفيد بيه.. ونشوف غير المفيد والضار ونرفضه.. لازم إحنا اللي نفكر لنفسنا.. صحيح ناخد من الآخرين كل ما هو إيجابي ومفيد.. بس، في الوقت نفسه، نملك زمام فكرنا. المثل العربي القديم بيقول: "أهل مكة أدرى بشعابها". الإسرائيليين برضه مش كتلة صماء.. لأ فيهم، حتى النهارده، أفراد ويمكن تيارات - محدودة التأثير- عايزه السلام وبتتخذ مواقف موضوعية أو قريبة من الموضوعية.. أنا احترم جداً ناس زي «يوري أفنيري» أو «نورمان فنكلشتاين» أو «إسرائيل فنكلشتين».. وأقرأ دراساتهم وأستفيد بيها جداً. طبعاً كان فيه وقت كان فيه حركة «السلام الآن» وكان لها قدر غير قليل من الجماهيرية. دلوقتي نفوذها انحسر، وأصبحت الكلمة العليا في الشارع الإسرائيلي للمتطرفين والمتعصبين.. مش كده ولا إيه؟ (ودي ظاهرة مرتبطة بخصخصة القطاع العام في إسرائيل وممتلكات الهستدروت، أي تصفية القاعدة الاقتصادية لحزب العمال الإسرائيلي، ومرتبطة أيضاً بالاستراتيجية الأمريكية بعد انتهاء الحرب الباردة وبالتغييرات في التركيب السكاني لإسرائيل). يعني خلاصة الكلام إننا ممكن نبقى مدركين للاختلافات والتباينات في المجتمع الأمريكي أو الإسرائيلي. بس الغلط هو أن نتوهم إن المعارضة الأمريكية أو الإسرائيلية هي اللي حتحررنا أو تحل لنا مشاكلنا. دي مهمتنا إحنا.. وده من غير ما نشيطن حد ومن غير ما نغمض أعيننا عن الحقائق الموضوعية.. لأننا بقدر ما ندرك الواقع على ما هو عليه بدون أوهام أو تزويق أو تشويه، بقدر ما نقدر نبقى مؤثرين.

المشكلة الخطيرة جداً في اعتقادي إن إحنا "نشيطن" بعض. أنا بصيت مثلاً على البلوج بتاع الأخ «لون وولف» ولقيت مفيش حد عاجبه.. لا "المعارضة البرجوازية" ولا "اليسار المنفصل عن الشارع" ولا "الإسلاميين" ويمكن عشان كده اختار إنه يكون "لون" و"وولف" عشان كده هو محبط وبيسارع إلى "تسجيل احتجاجه" على كلامي بدون ما يوضح الأسباب.

مش ده معناه إن إحنا بنشيطن بعض.. بنشيطن "المعارضة البرجوازية" و"اليسار" و"الإسلاميين"؟ يعني على رأي الأخ «محمد» بنبص لكل تيار من التيارات دي ككتلة مصمتة، كتلة غير متجانسة ومرفوضة كلها على بعضها؟ مفيش حد ’يوحد الله‘ داخل هذه التيارات كلها قصده خير وقلبه على البلد وعايز ينهض بيها؟ وهل صحيح أن هذه التيارات كلها متجانسة.. اليسار كله متجانس والمعارضة البرجوازية متجانسة والإسلاميين متجانسين؟ مش صحيح.

الحقيقة إن كل الناس اللي عايزين ينهضوا بالبلد.. اللي عايزين يبقى فيه تنمية حقيقية.. يقضوا على الفساد.. يحققوا مشاركة شعبية حقيقية ومتزايدة.. يقضوا على البطالة.. كل الناس اللي عايزين يوقفوا التدهور والخراب المتزايد.. كلهم في خندق واحد.. رغم اختلاف الإيديولوجيات اللي هو شيء طبيعي.

يعني في مصر "الإسلامي" اللي بيرفض التبعية للغرب وبيرفض الفساد مع "اليساري"، ويمكن كمان مع أجزاء كبيرة من المعارضة البرجوازية، في خندق واحد. في فلسطين.. «حماس» و«الجهاد» و«الجبهة الشعبية» و«الجبهة الديمقراطية» و«حزب الشعب» (الحزب الشيوعي الفلسطيني) وعناصر كتير في «فتح».. كل دول في خندق واحد.

أي تعميق للخلافات.. أي شيطنة لطرف للطرف الثاني.. أي اختلاق لمعارك واختلافات وهمية لا يخدم إلا مصالح أعداءنا ونتيجته الوحيدة هي تعطيل النهضة والتغيير..

حتقول لي الإسلاميين مش ديمقراطيين.. بعضهم بيقول الديمقراطية نظام غربي لا يتفق مع الإسلام. حقول لك تعالى بص في عالم اليوم.. الإسلاميين بيحكموا في تركيا في ظل نظام علماني.. الإيرانيين عندهم برلمان وانتخابات يعني مش "بيعة من أهل الحل والعقد" وعندهم تيارات مختلفة.. محافظين وليبراليين.. الخ. يعني التطور ماشي والعصر بيفرض ضروراته.

وبعدين مين قال إن الديمقراطية الموجودة في أمريكا وأوروبا هي الشكل الأمثل الكامل الأوصاف والمعاني اللي لازم ناخده زي ما هو ونطبقه في بلادنا؟ كتير من علماء السياسة والمفكرين الغربيين بينتقدوا النظام الديمقراطي عندهم. بُص لنسبة المشاركين في الانتخابات وكيف تتناقص.. ناس كتير هناك يئست من جدوى الانتخابات واللعبة كلها.. بُص للعملية الانتخابية وكيف تجري وتدار؟ دلوقتي فيه "خبراء انتخابات" بياخدوا عشرات ومئات الملايين من الدولارات.. وبيشتغلوا مع اللي يدفع أكثر.. عشان يعلموا المرشح إزاي يحط "الروج" على شفايفه وازاي ينتف حواجبه ويسرح شعره.. وازاي يتآمر على خصومه.. وازاي يخدع الشعب بالكلام المعسول والمزوق.. بالاختصار إزاي "يسوق" نفسه.. يعني السياسة والديمقراطية والانتخابات والكلام الكبير ده أصبح سوق كبير.. بتلعب فيه الشركات الكبرى والشاطر اللي عنده فلوس أكتر ويقدر "يلبس الناس الطاقية" ويأكلهم البالوظة أكتر من التاني.

الديمقراطية دي - ديمقراطية السوق – ما تلزمناش.. إحنا عايزين ديمقراطية تخلي الناس يشاركوا في صنع القرار بحق وحقيق. عايزين ديمقراطية حقيقية مش حقوق حبر على ورق.. عايزين ديمقراطية تساعدنا على بناء بلادنا .. على تنمية حقيقية.. ديمقراطية تساعدنا على القضاء على البطالة والفساد.. ديمقراطية مختلفة.. أعمق في مضمونها بكتير من الديمقراطية الغربية. ومش ديمقراطية شكلية لا تودي ولا تجيب. وعلينا من خلال الممارسة كلنا، ليبراليين ويساريين وإسلاميين، أن نكتشف معاً الطريق.. أن نبتكر معاً الأشكال الديمقراطية اللي ممكن تنفع لنا وتساعدنا.. كلنا في خندق واحد.. عشان كده بقول كفايانا انفصال عن شعوبنا، كفايانا شيطنة في بعضينا.. كفايانا تضخيم في عيوبنا وتيئيس للناس.. كفايانا اغتراب عن جذورنا.. كفايانا تبعية فكرية.. كفايانا شرزمة.. والكلام ده موجه للجميع دون استثناء.

وإلى اللقاء مرة تانية عشان نتكلم عن موضوع "الشوفينية" بالتفصيل ونرد على الأخ العزيز «لون وولف».

ايمان يقول...

الكاتبة العزيزة
العزيزة بحكم الصلة و القربي لواحد من أهم من أثروا حياتي و تأثرت بهم و هو والدك الجميل بما تحمله الصفة من معان كثيرة
و العزيزة أيضا بحكم الفكر المتحضر و المنهج الراقي الذي تتبعينه
اكتشفت مدونتك بالصدفة و طبعا لم يخف علي الاسم فتابعت ما تكتبين و ما تثيرين من قضايا مهمة
ارجو ان نتواصل دائما

سامية يقول...

أهلاً وسهلاً بك يا إيمان

نورت المدونة