٢٩ أغسطس ٢٠٠٥

من "يُشيطن" من؟


نظرا لأهمية النقاش الدائر حول موضوعي السابق قررت نشر آخر تعليق للأستاذ عبد الحق مستقلا هنا لعموم الفائدة. أتمنى أن تجدوه مثلي مفيداً ومثمراً وأن يستمر هذا الحوار البناء.

يقول عبد الحق:


لنتفق أولاً على مبدأ هو: أن ننظر إلى أي ظاهرة اجتماعية أو سياسية أو إيديولوجية في إطارها التاريخي... مفيش ظاهرة اجتماعية أو فكرية يمكن أن تُدرس أو يُحكم عليها بمعزل عن العصر اللي ظهرت وتطورت فيه، ومفيش مُفكر يقدر يتحرر من عصره، يمكن يتمرد على حاجات موجودة في عصره... بس في الحالة دي بيكون بيعبر عن مطلب اجتماعي موجود في ذلك العصر... بتكون الظروف نضجت لإحداث تغيير أو بتكون هناك إرهاصات (بدايات أولى متواضعة) لهذا التغيير. من غير كده حيكون تمرده تمرد عاجز ويفضل حبر على ورق، أو صرخة في وادٍ كما يقول العرب، ويقول له التاريخ (أو "دهاء التاريخ" بتعبير الفيلسوف الألماني «هيجل»): " لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تُنادي". والتاريخ حافل بالأمثلة. بالاختصار الإنسان مش ممكن يتحرر من التاريخ.

يعني زي ما قلت للأخ «محمد» (وبالمناسبة أنا لا أقصد مهاجمته أو تجريحه، كل ما أقصده هو أن أضع أمامه وجهة نظر مختلفة وأستدعي نظره لأمور ربما لم يأخذها في اعتباره. محدش بيحتكر الحقيقة. ومفيش "حقيقة مطلقة" في الفكر البشري)، أرجع تاني وأقول للأخ «محمد» والأخ «لون وولف» (الذئب المستوحش آنس الله وحدته) إني مقدرش مثلاً أهاجم «أفلاطون» لأنه لم ينتقد نظام العبودية، بل أَخَذَه كحقيقة مسلمة في "جمهوريته"، مقدرش أقول عليه رجعي، لازم أبُص له في ظروفه وهل كانت هذه الظروف تسمح بتجاوز نظام العبودية أم لا. أنا أتفق مع «ماركس» في قوله إن مفيش نظام اجتماعي بيختفي غير بعد ما يكون استنفد كل أغراضه وأعطى كل ما عنده (دي قضية فرعية ولكنها مهمة جداً في اعتقادي). عندئذ تنشأ الحاجة للتغيير وترتفع الأصوات مطالبة به ويصبح المفكر قادراً على تحريك الناس. (اقرأ مثلاً عن تاريخ فرنسا قبل الثورة الفرنسية عام 1789 أو تأمل الحياة السياسية والفكرية في مصر قبل ثورة 23 يوليو 1952)

هل اتفقنا على ضرورة النظر لكل ظاهرة سياسية أو اجتماعية أو فكرية في إطار عصرها وظروفها؟ أعتقد إن ده أصبح شيء بديهي في عصرنا الحاضر. ولكن للأسف ناس كتير بينسوه إما عن سذاجة أو قلة خبرة وإما عن غرض، والغرض مرض كما يقول المثل.

في ضوء هذا الكلام أنا لا أستطيع أن أقبل موقف الذين ينتقدون موقف القرآن والسنة من قضية المرأة مثلاً. لماذا؟ لأن هؤلاء لا يعرفون، أو يتناسون عن قصد، العالم كله كان شكله إيه في الوقت ده. هؤلاء يتناسون أن القانون الروماني ظل لفترة طويلة جدا يعطى للرجل حق الحياة والموت على زوجته وأولاده. يعني الراجل لو قتل مراته أو ابنه أو بنته محدش له حاجة عنده. ده حقه القانوني. العرب قبل الإسلام كانوا بيدفنوا بناتهم أحياء. الهندوس كان عندهم الزوجة بتتحرق حيه عند موت الزوج.. وده تقليد استمر عندهم لغاية وقت قريّب. وممكن أسرد لكم أمثلة أخرى كثيرة عن وضع المرأة في الحضارات القديمة ولدى الشعوب في العصور السابقة.

حد ممكن يقول: طيب والحقوق السياسية للمرأة؟ والرد بسيط: موقف المجتمعات المسلمة من هذه القضية، وخصوصاً في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية، كان يمكن أحسن من موقف كل المجتمعات المعاصرة (أي معاصرة لتلك المجتمعات المسلمة، عشان «محمد» ميقوليش الضمير بيعود على مين). يعني الإسلام أعطى للمرأة الحق في أن تكون لها ذمة مالية مستقلة عن الأب أو الزوج، وده مش مجرد حق اقتصادي، ده حق سياسي بالتأكيد. ليه؟ لأن ده معناه اعتراف بالمرأة كشخصية قانونية مستقلة. إعتراف بالمرأة ككائن بشري له كيانه المستقل عن الرجل. وبعض الفقهاء أعطى للمرأة حق ولاية القضاء.. وده بالتأكيد حق سياسي..

حيرد علي واحد ويقول بس القرآن بيقول "الرجال قوامون على النساء". أي نعم: الرجال قوامون على النساء. لكن هل ده معناه إن الرجل أفضل من المرأة؟ لازم نفهم أولاً معنى كلمة "قوامون". نرجع إلى لسان العرب، قال "وقد يجيء القيام بمعنى المحافظة والإصلاح، ومنه قوله تعالى "الرجال قوامون على النساء" وليس يراد ها هنا .. القيام الذي هو المثول والتنصب وضد القعود، إنما هو من قولهم قمت بأمرك، فكأنه يعني، والله أعلم، الرجال متكفلون بأمور النساء معنيون بشؤونهم" (لسان العرب، طبعة دار المعارف، المجلد الخامس، الصفحتان 3781 و3785). المعنى إذن هو أن من واجب الرجل المحافظة على المرأة والعناية بشؤونها. طيب ده وحش في إيه؟ ممكن نجد تفسير آخر يقول أن "قوامون" جاية من القيام أي التهيؤ للدفاع وخوض الحرب، فكلمة "قوم" معناها في العربية، أو على الأقل لدى معظم علماء اللغة، الجماعة من الرجال دون النساء لأن الرجال هم الذين "يقومون" للحرب. نرجع تاني للسان العرب: "وقيل (أي القوم) للرجال خاصة دون النساء، ويقوي ذلك قوله تعالى ’لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن‘. فلو كانت النساء من القوم لم يقل ولا نساء من نساء، وكذلك قول «زهير» (الشاعر زهير ابن أبي سلمى):

"ما أدري وسوف إخال أدري
أقومٌ آل حصنٍ أم نساءُ؟"

(لسان العرب، المجلد نفسه ص 3786)

طبعاً صديقي العزيز «محمد» ممكن يقوللي دلوقتي: اظبط! شايف «زهير بن أبي سلمى» بتاعك ده بيحتقر المرأة ازاي؟ وحقول له معلش يا عزيزي ده شاعر جاهلي نسيبه على قد عقله .. العصر بتاعه كان كده، والدنيا كلها كانت كده على أيامه، والاتجاه ده – أقصد استعلاء الذكر على الأنثى – موجود لحد النهارده – على الأقل على المستوى الشعبي – حتى في المجتمعات الأمريكية والأوروبية "المتقدمة" ولغاية دلوقتي الحركات النسائية أو الأنثوية feminist بتشتكي من استمرار سيطرة الذكور وقيم النظام البطريركي – يعني سيطرة الأب – في البلاد الرأسمالية الغربية.

نرجع لموضوعنا، ونقول إننا لو أخذنا بالتفسير الأخير لمعنى كلمة "قوامون"، حنلاقي إن المعنى هو إن من واجب الرجال الدفاع عن النساء أثناء الحرب. طب وإيه الغلط في كده؟ وده منطقي جداً.. لازم يدافعوا عن نساءهم ويستموتوا في الدفاع عنهم كمان لأن النساء في الزمن ده كانوا بيتاخدوا سبايا.. وده - والله العظيم يا «لون وولف» – ماكانش عند العرب لوحدهم.. كان عند الشعوب كلها في ذلك الوقت. ويمكن العرب المسلمين كانوا أرحم من غيرهم بكتير (ارجع مثلاً لوصايا «عمر بن الخطاب» لقادة جيوشه).

نخلص من ده كله بأن الإسلام ساوى بين الذكر والأنثى في الإنسانية. الأنثى مكلفة دينياً مثل الذكر تماماً وعلى قدم المساواة. والقرآن بيخاطب الرجل والمرأة على حد سواء. واحد حيقول طيب وحق الميراث ليه ما فيهوش مساواة بين الرجل والمرأة؟ حرد عليه بالفم المليان وأقول إن ده شيء عظيم جداً في وقت كان الرجل يتحمل فيه كل أعباء الإنفاق على الأسرة، في وقت كانت فيه نظم قانونية في بلاد أخرى تحرم المرأة من الميراث ولا تعطيها الحق في أن تكون لها ذمة مالية أصلاً. وهناك أنظمة كانت تقصر حق الميراث على الذكر الأكبر حتى لا تتفتت الملكية. وهناك أنظمة أخرى كانت تخضع الميراث للوصية.. وهكذا.

(طبعاً فاكرين «الملك لير» وازاي وزع تركته على بناته الثلاثة، أو على اثنين منهم على الأصح. بس دي كانت "دوطة" للأزواج.. يعني للذكور برضه. واللي جه يحاول ينقذه كان جوز البنت الصغيرة ومش البنت نفسها... يعني "الرجال قوامون على النساء" برضه)

طيب وفي الوقت الحاضر اللي المرأة فيه بتشارك في حمل الأعباء المالية مع الراجل، حنقول إيه؟ حنقول إن الإسلام ما بيسدش الباب بالضبة والمفتاح. الراجل أو الست (طبعاً اللي ربنا فاتح عليهم وعندهم حاجة ممكن يورثوها لأولادهم) اللي حاسين إن بناتهم محتاجين أو إن ولادهم الذكور عندهم ما يكفيهم قدامهم منافذ كثيرة: الوصية في حدود ثلث التركة، والبيع أو الهبة للبنات أثناء حياة المورث أو المورثة. ودي كلها حاجات حلال ومحدش يقدر يقول فيها تلت التلاتة كام. المهم انه ما يظلمش حد: "الظلم ظلمات يوم القيامة" ؛ والمثل الشعبي بيقول "من حكم في ماله فما ظلم" بس طبعاً من غير سفه ولا جور على حقوق حد لأن ده بينهى عنه الإسلام.

طيب ونروح بعيد ليه. النهارده الأغلبية الساحقة من البلاد الإسلامية بتتمتع فيها المرأة بحقوقها السياسية. لها حق الانتخاب وحق عضوية البرلمان.. حتى في اليمن اللي كان بيحكمها منذ بضعة عقود إمام مشعوذ بيدعي العصمة والقداسة (والأخ «محمد» زعلان وبيتكلم عن "مذابح الجيش المصري" في اليمن، لو كان راح اليمن كان شاف اليمنيين بيحبوا مصر وعبد الناصر قد إيه. يا أخ «محمد» لسه لغاية النهارده فيه حزب اسمه «الحزب الناصري» في اليمن. ولو كنت شفت في الفضائيات صور مظاهرات اليمنيين احتجاجاً على غزو العراق كنت حتلاحظ إن كتير منهم رافعين صور «جمال عبد الناصر». وده رغم إن ’اخواننا البُعدا‘ بيشيطنوا عبد الناصر ويشوهوا صورته من عام 1955 لغاية دلوقتي). وفي إيران، يعني حتى في بلد ’ولاية الفقيه‘، نسبة النساء في البرلمان أضعاف نسبة النساء في الكونجرس الأمريكي... دي مجرد أمثلة. طيب هل خرجت الشعوب المسلمة غاضبة تقول إن إعطاء المرأة حق الانتخاب ودخولها البرلمان "رجس من عمل الشيطان"؟ محصلش. عندنا في مصر المرأة بتتمتع بحقوقها السياسية من أكتر من خمسين سنة، وده ماكانش تحت ضغط الأمريكان ’حماة الديمقراطية وحقوق الإنسان‘.. لأ دا كان بتأثير التحولات الاجتماعية الداخلية اللي كانت بتعيشها مصر في تلك الفترة...

أكثر من كده هناك دول إسلامية معاصرة وصلت فيها المرأة إلى أعلى المناصب. يعني رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء.. «بينظير بوتو» في باكستان و«ميجاواتي سوكارنو» في إندونيسيا و«طانسو تشيللر» في تركيا (للعلم تركيا فيها تيارات إسلامية جماهيرية قوية جداً رغم ’علمانية‘ الدولة) هل خرجت الجماهير المسلمة في البلاد دي وكسرت الدنيا احتجاجاً على وصول نساء إلى هذه المناصب؟ بالعكس الجماهير هي اللي جابتهم للسلطة وعن طريق الانتخابات.

ده كله معناه إيه؟ معناه إن العقيدة الإسلامية، كما تعيش في قلوب الجماهير، مابترفضش التطور ومابتسدش الباب قدام التقدم. معناه إن الإسلام الحي، الإسلام اللي عايش في قلوب ملايين الناس وليس في أمخاخ بعض المتزمتين، مش هو العقبة وان فيه (أي في الإسلام) مرونة وحيوية تخليه قادر على الاستجابة لاحتياجات العصر.

نضرب بعض الأمثلة: في أواخر القرن التاسع عشر أصدر الخليفة العثماني، السلطان «عبد الحميد» في الوقت ده، فرمان يأمر الجنود الانكشارية بخلع العمم (العمائم) اللي كانوا بيلبسوها على روسهم ولبس الطرابيش بدلاً منها (طرابيش زي اللي كان الأفنديات المصريين بيلبسوها على روسهم لغاية سنة 1950 تقريباً). وكانت النتيجة ثورة عارمة: رفض العساكر، وخرجت الناس في الشوارع تكسر وتحرق احتجاجاً على هذه البدعة (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، بس دي يا ناس بدعة لا تمس جوهر الدين في شيء!) هل ده ممكن يحصل النهارده؟ طبعاً مستحيل. الأتراك خلعوا العمم والطرابيش وعندهم دلوقتي بيوت أزياء بتنافس البيوت الأوروبية.. ومع ذلك فضلوا مسلمين. تشوف الجوامع هناك يوم الجمعة مليانة لآخرها. المصريين وكثير من العرب التانيين خلعوا العمم والطرابيش بهدوء ومن غير كلام عن البدع ولا مناداة بالويل والثبور للمتفرنجين المارقين. حتى ’آيات الله‘ في إيران ميقدروش يقولوا للإيرانيين النهارده اخلعوا البدل والبسوا الجلباب والعمامة. معنى كده إيه؟ معناه إن التطور بيشق طريقه، وإن المسلمين مابيرفضوش التجديد. مادام لا يتعارض مع أصل من أصول الدين. ولا أعتقد أن هناك تجديد جوهري أو مفيد أو ضروري يمكن أن يتعارض مع أصل من أصول الإسلام.

هل ده تبسيط للأمور؟ هل معنى ده إن كله تمام وإن ’ليس في الإمكان أبدع مما كان‘؟ لأ.. ده تركيز على ما هو جوهري. عارف إن فيه ناس متحجرين ويمكن ’ظلاميين‘ كمان.. لكن دول مش الكتلة الأساسية.. دول تيارات هامشية لا تمثل الغالبية الساحقة من المسلمين. ودي ظاهرة طبيعية تماماً في فترات التدهور والإحباط. لما الناس تبص قدامها ماتلاقيش أفق واضح. لما المثقفين بتوعهم يقولولهم: حياتكم كلها هزائم وتاريخكم مافيهوش حاجة مضيئة. دي ظاهرة وجدت في حياة شعوب كثيرة. فإذا استطاعت الشعوب أن تنهض .. بتختفي هذه الظاهرة بالتدريج إلى أن تزول تماماً.

هي دي مشكلتنا الكبرى النهارده.. إن إحنا ننهض.. إن إحنا نتحرك للأمام.. إن إحنا نحقق لشعوبنا مستوى حياة أحسن.. وتعليم أحسن.. ومشاركة متزايدة في صنع القرار وفي تغيير حياتها من غير استعلاء عليها.. وبالاستماع لها والتعلم منها.

وعشان كده لازم نركز على ما هو جوهري.. أما الثانوي والهامشي فنضعه في حجمه الحقيقي بدون مبالغة أو تضخيم. الأخ «محمد» بيهاجم اللي بيشيطنوا الآخرين ويعاملوهم كأنهم كتلة صماء مصمتة أو متجانسة تماماً. لأ يا أخ «محمد» محدش يقدر يقول إن الأمريكان (أو الإسرائيليين حتى) كتلة متجانسة أو صماء.. إحنا عدونا مش الشعب الأمريكي.. الشعب الأمريكي خرج في مظاهرات مليونية ضد غزو العراق.. الشعب الأمريكي ساهم بدور مهم جداً في وقف حرب فيتنام، بس الدور الرئيسي والجوهري كان طبعاً مقاومة الفيتناميين أنفسهم.. الشعب الأمريكي فيه مفكرين ومثقفين عظام نحترمهم ونتعلم منهم.. بس برضه نحلل ونفرز، ونشوف المفيد في أفكارهم ونستفيد بيه.. ونشوف غير المفيد والضار ونرفضه.. لازم إحنا اللي نفكر لنفسنا.. صحيح ناخد من الآخرين كل ما هو إيجابي ومفيد.. بس، في الوقت نفسه، نملك زمام فكرنا. المثل العربي القديم بيقول: "أهل مكة أدرى بشعابها". الإسرائيليين برضه مش كتلة صماء.. لأ فيهم، حتى النهارده، أفراد ويمكن تيارات - محدودة التأثير- عايزه السلام وبتتخذ مواقف موضوعية أو قريبة من الموضوعية.. أنا احترم جداً ناس زي «يوري أفنيري» أو «نورمان فنكلشتاين» أو «إسرائيل فنكلشتين».. وأقرأ دراساتهم وأستفيد بيها جداً. طبعاً كان فيه وقت كان فيه حركة «السلام الآن» وكان لها قدر غير قليل من الجماهيرية. دلوقتي نفوذها انحسر، وأصبحت الكلمة العليا في الشارع الإسرائيلي للمتطرفين والمتعصبين.. مش كده ولا إيه؟ (ودي ظاهرة مرتبطة بخصخصة القطاع العام في إسرائيل وممتلكات الهستدروت، أي تصفية القاعدة الاقتصادية لحزب العمال الإسرائيلي، ومرتبطة أيضاً بالاستراتيجية الأمريكية بعد انتهاء الحرب الباردة وبالتغييرات في التركيب السكاني لإسرائيل). يعني خلاصة الكلام إننا ممكن نبقى مدركين للاختلافات والتباينات في المجتمع الأمريكي أو الإسرائيلي. بس الغلط هو أن نتوهم إن المعارضة الأمريكية أو الإسرائيلية هي اللي حتحررنا أو تحل لنا مشاكلنا. دي مهمتنا إحنا.. وده من غير ما نشيطن حد ومن غير ما نغمض أعيننا عن الحقائق الموضوعية.. لأننا بقدر ما ندرك الواقع على ما هو عليه بدون أوهام أو تزويق أو تشويه، بقدر ما نقدر نبقى مؤثرين.

المشكلة الخطيرة جداً في اعتقادي إن إحنا "نشيطن" بعض. أنا بصيت مثلاً على البلوج بتاع الأخ «لون وولف» ولقيت مفيش حد عاجبه.. لا "المعارضة البرجوازية" ولا "اليسار المنفصل عن الشارع" ولا "الإسلاميين" ويمكن عشان كده اختار إنه يكون "لون" و"وولف" عشان كده هو محبط وبيسارع إلى "تسجيل احتجاجه" على كلامي بدون ما يوضح الأسباب.

مش ده معناه إن إحنا بنشيطن بعض.. بنشيطن "المعارضة البرجوازية" و"اليسار" و"الإسلاميين"؟ يعني على رأي الأخ «محمد» بنبص لكل تيار من التيارات دي ككتلة مصمتة، كتلة غير متجانسة ومرفوضة كلها على بعضها؟ مفيش حد ’يوحد الله‘ داخل هذه التيارات كلها قصده خير وقلبه على البلد وعايز ينهض بيها؟ وهل صحيح أن هذه التيارات كلها متجانسة.. اليسار كله متجانس والمعارضة البرجوازية متجانسة والإسلاميين متجانسين؟ مش صحيح.

الحقيقة إن كل الناس اللي عايزين ينهضوا بالبلد.. اللي عايزين يبقى فيه تنمية حقيقية.. يقضوا على الفساد.. يحققوا مشاركة شعبية حقيقية ومتزايدة.. يقضوا على البطالة.. كل الناس اللي عايزين يوقفوا التدهور والخراب المتزايد.. كلهم في خندق واحد.. رغم اختلاف الإيديولوجيات اللي هو شيء طبيعي.

يعني في مصر "الإسلامي" اللي بيرفض التبعية للغرب وبيرفض الفساد مع "اليساري"، ويمكن كمان مع أجزاء كبيرة من المعارضة البرجوازية، في خندق واحد. في فلسطين.. «حماس» و«الجهاد» و«الجبهة الشعبية» و«الجبهة الديمقراطية» و«حزب الشعب» (الحزب الشيوعي الفلسطيني) وعناصر كتير في «فتح».. كل دول في خندق واحد.

أي تعميق للخلافات.. أي شيطنة لطرف للطرف الثاني.. أي اختلاق لمعارك واختلافات وهمية لا يخدم إلا مصالح أعداءنا ونتيجته الوحيدة هي تعطيل النهضة والتغيير..

حتقول لي الإسلاميين مش ديمقراطيين.. بعضهم بيقول الديمقراطية نظام غربي لا يتفق مع الإسلام. حقول لك تعالى بص في عالم اليوم.. الإسلاميين بيحكموا في تركيا في ظل نظام علماني.. الإيرانيين عندهم برلمان وانتخابات يعني مش "بيعة من أهل الحل والعقد" وعندهم تيارات مختلفة.. محافظين وليبراليين.. الخ. يعني التطور ماشي والعصر بيفرض ضروراته.

وبعدين مين قال إن الديمقراطية الموجودة في أمريكا وأوروبا هي الشكل الأمثل الكامل الأوصاف والمعاني اللي لازم ناخده زي ما هو ونطبقه في بلادنا؟ كتير من علماء السياسة والمفكرين الغربيين بينتقدوا النظام الديمقراطي عندهم. بُص لنسبة المشاركين في الانتخابات وكيف تتناقص.. ناس كتير هناك يئست من جدوى الانتخابات واللعبة كلها.. بُص للعملية الانتخابية وكيف تجري وتدار؟ دلوقتي فيه "خبراء انتخابات" بياخدوا عشرات ومئات الملايين من الدولارات.. وبيشتغلوا مع اللي يدفع أكثر.. عشان يعلموا المرشح إزاي يحط "الروج" على شفايفه وازاي ينتف حواجبه ويسرح شعره.. وازاي يتآمر على خصومه.. وازاي يخدع الشعب بالكلام المعسول والمزوق.. بالاختصار إزاي "يسوق" نفسه.. يعني السياسة والديمقراطية والانتخابات والكلام الكبير ده أصبح سوق كبير.. بتلعب فيه الشركات الكبرى والشاطر اللي عنده فلوس أكتر ويقدر "يلبس الناس الطاقية" ويأكلهم البالوظة أكتر من التاني.

الديمقراطية دي - ديمقراطية السوق – ما تلزمناش.. إحنا عايزين ديمقراطية تخلي الناس يشاركوا في صنع القرار بحق وحقيق. عايزين ديمقراطية حقيقية مش حقوق حبر على ورق.. عايزين ديمقراطية تساعدنا على بناء بلادنا .. على تنمية حقيقية.. ديمقراطية تساعدنا على القضاء على البطالة والفساد.. ديمقراطية مختلفة.. أعمق في مضمونها بكتير من الديمقراطية الغربية. ومش ديمقراطية شكلية لا تودي ولا تجيب. وعلينا من خلال الممارسة كلنا، ليبراليين ويساريين وإسلاميين، أن نكتشف معاً الطريق.. أن نبتكر معاً الأشكال الديمقراطية اللي ممكن تنفع لنا وتساعدنا.. كلنا في خندق واحد.. عشان كده بقول كفايانا انفصال عن شعوبنا، كفايانا شيطنة في بعضينا.. كفايانا تضخيم في عيوبنا وتيئيس للناس.. كفايانا اغتراب عن جذورنا.. كفايانا تبعية فكرية.. كفايانا شرزمة.. والكلام ده موجه للجميع دون استثناء.

وإلى اللقاء مرة تانية عشان نتكلم عن موضوع "الشوفينية" بالتفصيل ونرد على الأخ العزيز «لون وولف».

٢١ أغسطس ٢٠٠٥

وخلّي قلبك عمره ما يسامح! *


لم تكن هذه هي أول مرة أندهش فيها من مقولة البعض "في بعض الأحيان لازم تدخل عسكري..." وكانت هذه الجملة في معرض "حل مشكلات الأنظمة الدكتاتورية في الدول العربية مثل آيراك -العراق سابقا-ً وسوريا - سيريا قريبا"

هناك أشياء كثيرة تظل تدهشني وتؤلمني كلما سمعتها... كقصة جريمة أمريكا في هيروشيما مثلاً. لا يمكن مهما حدث، أن تُذكر أمريكا دون أن يذهب عقلي إلى صورة أشخاص يحترقون ويتساقط جلدهم فيقفزون في البحر اعتقادا منهم أنه سيبرد أجسادهم، فيجدونه ماء مغلي مشبع بمواد كيميائية تكوي الجسد في لحظات...
قلت لي عدد القتلى كان كام في يوم واحد؟ ربعميت ألف؟؟ يعني أربعة وجنبها ستة أصفار؟ والجرحى اللي ماتوا بعد ال176 دكتور في مستشفى المدينة كانوا كام؟ مية وعشرين ألف؟ وضحايا المفاعل؟ لسه لغاية دلوقتي فيه ناس بتموت بسبب التسريبات؟ وكام حالة سرطان؟ وكام طفل؟ وكام شجرة؟ وبمناسبة الشجر... كام شجرة زيتون اقتلعها الإسرائيليون لبناء جدار الفصل العنصري؟

أنا مش عارفة كنت عايزة أقول ايه بالظبط لما بدأت أكتب... كان فيه حاجات كتير بتعدي في دماغي.. مسرحية الانتخابات... واحد مشكوك في أمره وفي انتماءاته ونزاهته.. واحد لابس قميص وكرافته وعنيه بتشر منها البلاهة ... واحد رافع صباعه وبيقول لي "اتخنقنا" ...ناس بتقول تغيير كأننا حنغير ملابس داخلية ولا جزمة... "تقدم" الغرب... "الديمقراطية"..."تحرير" العراق ... فيتنام... هيروشيما ونجازاكي... صبرا وشتيلا... الفلوجة... كلها أشياء منفصلة متصلة ترسم في النهاية صور سوداء ملطخة بالدماء

أعتقد ان الموضوع بدأ لما حاولت أسأل نفسي فين أولوياتي، ولقيت ان كل حاجة متلخبطة. الشيء الوحيد اللي كنت متأكدة منه هو ان مهما كانت الظروف لا يمكن أقف في نفس الصف اللي وقف فيه سفاحو هذه المجازر حتى لو كانت روحي في إيدهم.

قال أبي في أغنية "المسألة":

الأصيل مالهش في الدنيا دي حظ
والسعادة لكل قاسي قلبه فظ
يا ترى نركعله ولا نقوله طُظ!
حتى لو دماغنا تحت المقصلة...

هي ديه المسألة!
__________________

* العنوان من قصيدة لفؤاد حداد بعنوان "إكبر يا ليل" :
وما ينقطعش الجاي والرايح
خليك على طول الزمن أخضر
وخلي قلبك عمره ما يسامح
نحمل قديمنا ونحمل الصابح
ونعيش على قدام
ونتذكر...



٠٢ أغسطس ٢٠٠٥

أغسطس في الجنينة

-
يقدم مسرح الجنينة بحديقة الأزهر برنامجاً لفرق الشباب فى الفترة من الخميس 28 يوليو الى الخميس 4 أغسطس
-
الثلاثاء 2 أغسطس : بلاك تيما

موسيقى مصرية حديثة و كلمات مصرية تهتم بالشباب و توزيعات جديدة بأصوات مصرية شابة و أداء مختلف عن السائد هذه هى المكونات الرئيسية لفرقة بلاك تيما التى تقدم موسيقى مختلفة و جادة و قادرة على جذب أنتباه أذن الجمهور.

الأربعاء 3 أغسطس : فيونكات دنيا

تجمع دنيا الأغنيات المختلفة الأيقاعات من ربوع مصر فى شكلها الفلكلورى و تعيد تقديمها بعد أضافة نكهة جديدة لها ، فكأننا نستقل قطارا يعبر أرجاء مصر لنستمع لكل أشكال الغناء المصرى. يصاحب دنيا مجموعة من العازفين المهرة و المهتمين بألغناء المصرى تحديدا.

الخميس 4 أغسطس : بشير

يعيد الفنان محمد بشير تقديم أغنيات من جنوب مصر فى قوالب الريجى و الجاز الحديث من خلال توزيعات و أيقاعات مختلفة عن السائد و المطروق . يقدم محمد بشير أغانيه منذ أكثر من 8 سنوات و قد تعددت مراحله الفنية حتى وصل الى الشكل الحالى الذى يحاول فيه تقديم تجربة فنية جديدة و مثيرة .

١٧ يوليو ٢٠٠٥

بنات زينب



في الطريق إلى هناك أخبرتني عمتي أن اسم هذه القرية كان في الأصل "ألفا قوس" (أي 2000 قوس) ثم تحول على مر الزمن إلى "فقّوس". لم تشرح لي علاقة المكان بالأقواس أو عددها ولم أسأل، لكنني انبهرت من فكرة وجود أصول ذات معنى لأسماء الأماكن، ومكثت طوال الطريق أفكر في أصول الأشياء وأسمائها.

أعجبني أيضاً اختلاف النطق بيننا نحن القاهريين وبين أهل القرية الذين كانوا ينطقونها "فجّوس" بينما ننطقها نحن "فأّوس". ارتبطت الكلمة في ذهني ببيضات دجاجات عمتي خديجة وبطها "المستكوفي" الذي كانت تفتخر به والذي سكن عشة فسيحة طالما جلست بداخلها منتظرة أن أرى البيض وهو يفقس كتاكيت، وهكذا أصبح ذكر "فقوس" مقترناً في عقلي بحظيرة منخفضة الضوء ذات رائحة كريهة تحتضن في أركانها أملاً في الحياة : البيض وهو يفقس الكتاكيت.

هل كان صباح عيد الأضحى أم عيد الفطر حينما جلست مع بنات القرية تحت تكعيبة العنب أتأمل جلابيبهن زاهية الألوان وأشعر بالضآلة والقبح في قميص نومي الطفولي القصير المزدحم بالدببة الصغيرة وعبارة "تصبح على خير" بكل اللغات ما عدا العربية؟

كانت الحاجّة زينب تأتي إلى بيتنا كل يوم لتساعد عمتي في تنظيف المنزل وإعداد الطعام وتحضر بناتها الخمس معها ليساعدنها. أحببتهن جميعاً لكن بهيجة كانت أقربهن إلى قلبي، وجهها مبتسم تشريحياً وعيناها عسليتان مليئتين بالدفء. كانت أطولنا وأكبرنا سناً، طالما حاولت أن أجدل شعري الخفيف مثلها لكن ضفيرتها الكثيفة المتماسكة لم يكن لها مثيل.

كنت أنتظر البنات كل يوم بفارغ الصبر حتى ينتهين من المهام المنزلية لكي ننطلق إلى الحديقة ونغرق في اللعب. ما عدا في العيد... لم أضطر أن أنتظر، فاللعب كان يبدأ مع شروق الشمس ولا يطلب الكبار من الأطفال شيئا غير أن يتركوا المنزل ويلعبوا بعيداً حتى تنتهي السيدات من تحضير الغذاء.

تجمعنا تحت تكعيبة العنب نتحسر على مخزون البُمْب الذي نفذ وزاد من كآبتي أن البنات لا يردن اللعب في الطين حتى لا تتسخ الملابس الجديدة، فجلسنا أنا وبهيجة نبحث عن طريقة ننقذ بها يوم العيد....

قالت عزيزة:

- نروح البلد نجيب بمب!


صرخت بهيجة في وجهها وبرطمت بكلمات لم ألتقط منها إلا جملة "جاك شلل في فم المعدة!!!" وأدركت دون أن أفهم معنى الكلمات بالضبط أنها سبة فتدخلت لأهدئ النفوس:

- فهموني بس...إيه المشكلة لما نجيب بمب؟ هي البلد بعيدة؟؟

فردت محاولة التحدث بلهجتي القاهرية

- لأ ما بعيداش بس احنا بنات لوحدينا!

وهنا "نقح" علي العرق الثوري وحضرت أرواح جداتي وقلن بصوت واحد على لساني:

- و إيه يعني؟؟!! احنا بميت راجل ونقدر ناخد بالنا من نفسنا ، إحنا مش صغيرين! أنا ح اتم اتناشر سنة كمان سبع شهور!

لم أتح لأحد فرصة للجدال وتوجهت نحو باب الحديقة فسرن خلفي.

ذهبنا إلى "البلد" واشترينا البمب والملبس ثم عدنا إلى المنزل بسلام لم يدم كثيراً، فعندما دخلنا وجدنا وجه عمتي محتقنا وصرخت في وجوهنا:

- أنا قلبي وقف!!! إزاي تخرجي من غير ما تقولي؟إنت لسه صغيرة! كان ممكن تتوهي ولاّ تتخطفي!! وانتوا بقى لكم معايا حساب تاني!!

بدأت البنات في البكاء ووقفت أنا شامخة متحدية أدافع عن حقوق المرأة وحق الأطفال – الآخرين طبعاً مش أنا- في الحصول على البمب يوم العيد... وجاءني صوت زوج عمي من الداخل ليزدني قوة وثقة بالنفس...

- فيه إيه؟!! إيه الزعيق ده كله؟! ما تنكديش ع العيال يوم العيد! خلاص ماجراش حاجة ، ماهي رجعت بالسلامة وبعدين كان معاها بنات زينب وهم عارفين البلد كويس..

وقبل أن ينتهي من الجملة كان قد وصل إلى باب غرفته ورأنا مصطفات أمام عمتي وفي لمح البصر اختفت النظرة الحانية من عينيه وأكاد أجزم أنني رأيت شراراً حقيقياً يخرج منهما!

- إنتي خرجتي كده؟
- كده ازاي يعني؟
- نزلتي السوق بقميص النوم ده؟؟! إنتي فاكرة نفسك عيلة صغيرة؟؟!

(وبعدين بقى... صغيرة ولاّ مش صغيرة!؟ ما ترسوا على حل... وبعدين ايه علاقة ده بقميص النوم..)

- وفيها ايه يعني؟ ماله قميص النوم؟؟!!

- فيها ايه؟! طيب تعالوا بقى!

ودخل غرفته وأحضر "عصاية" لم أكن قد رأيتها من قبل وعلا صراخ البنات ولا أتذكر شيئاً بعد ذلك غير صوت "العصاية" في الهواء ثم على جسدي.

عرفت فيما بعد أن اسمها الملعون هو "الخرزانة" وظللت أكرهها ولا أطيق سيرتها طوال حياتي.

وفي تلك الليلة سمعت من خلف باب حجرتي - التي حكم علي بالحبس فيها حتى نهاية اليوم- كلمات جديدة على مسامعي وجمل ظلت تؤرقني طوال سنوات مراهقتي: "البنت كبرت وجسمها اتدور بس لسه مخها صغير... اللي يشوفها يفتكرها عندها 17 سنة... ربنا ستر... البنات دول هم!"

أما قميص النوم فرميته في سلة المهملات! ومنذ ذلك اليوم لم تعرف الفساتين والجونلات طريقاً لدولابي لفترة طويلة، وكنت أتأمل فاترينات الملابس الداخلية سرأً وفي حرصٍ حتى لا يدرك أحد أنني في بعض الأحيان أحن إلى أنوثة دفنتها وهي في طور التكوين.

***

منذ عدة أيام ذهبت مع زوجي لزيارة عمتي. تذكرنا طفولتي بأحداثها المضحكة المؤلمة ... تذكرنا رفضي أن أعامل كطفلة ورفضي للسيطرة من أي نوع وفرض آرائي على بقية الأطفال ومشكلة شهيتي المفتوحة دائما و شعري المقصوص كالأولاد ... ومن ضمن ما تذكرنا واقعة الخرزانة الشهيرة فضحكنا وعاتبت عمي مشاكسة:

كانت حتة علقة! مانساهاش! أنا يا عمو تضربني؟؟ وبالخرزانة كمان؟! ده انا حتى ماكنتش اعرف إسمها لحد اليوم ده!

كف عمو عن الضحك وظل يؤكد لي أنه لم يضربني "أنا كنت بارزع الخرزانة جنبك بس لكن ما ضربتكيش "

- ........

- طيب وبهيجة؟ وبقية البنات؟

- ضربتهم طبعاً عشان أخوفك وعشان بهيجة أكبر منك وكانت عارفة انك مايصحش تنزلي البلد بقميص نوم عامل كده!

- إنت متأكد انك ما ضربتنيش خالص يا عمو؟

- طبعاً متأكد!


في مساء ذلك اليوم ارتديت قميص نومي المفضل، أبيض، حريري، شفاف، مزين بزهور وردية صغيرة. وقفت أمام المرآة وعلى وجهي ابتسامة سلام لم تدم طويلاً، فبمجرد أن رأيت ظل جسدي خلف القماش شعرت بلسعة الخرزانة أسفل قدمي.


٢٨ يونيو ٢٠٠٥

أسئلة في الشارع

في هذا المقال وضع عمرو عبد العليم علامات استفهام حول موضوع القوى المطالبة بالتغيير ولفت نظري إلى نقاط - هي في رأيي في غاية الأهمية - لم انتبه إليها من قبل.

٢٦ يونيو ٢٠٠٥

SHA3BY


Image hosted by Photobucket.com






موسيقى و غناء شعبي من الشمال الى الجنوب





جديد المورد الثقافي هو برنامج "شعبي" الذي يقدم ستة من أهم فرق الموسيقى و الغناء الشعبي من الصعيد و الدلتا و النوبة و قناة السويس. و يمثل هذا البرنامج نواة لمهرجان سنوي للموسيقى و الغناء الشعبي نأمل في أن يتسع و يتطور ليقدم أشكالاً متنوعة من الفنون الشعبية من مصر و خارجها في نفس الموعد كل عام. يقدم برنامج "شعبي" بالتعاون مع الهيئة العامة لقصور الثقافة و مركز المصطبة للموسيقى الشعبية و المركز المصري للفنون و تحت رعاية شركة دلتا ميديكال.





برنامج "شعبي" يقدم على مسرح الجنينة بحديقة الأزهر كل خميس و جمعة من 30 يونيو و حتى 15 يوليو 2005 على مدى ستة ليالي :





الخميس 30 يونيو : فرقة النيل للموسيقى و الغناء الشعبي. تعد هذه الفرقة التابعة لهيئة قصور الثقافة أشهر و أكبر فرق الموسيقى و الغناء الشعبي في مصر و هي وريثة الفرق الشعبية التي أسسها زكريا الحجاوي في الخمسينات و طورها سليمان جميل في السبعينات. يشرف على الفرقة الفنان عبد الرحمن الشافعي و تقدم الفرقة عروضها على مدار العام في مهرجانات دولية و اقليمية معروفة كما تضم نخبة من أفضل المطربين و العازفين في مصر. و يتضمن هذا الحفل أغاني و مووايل من تراث صعيد مصر.





الجمعة 1 يوليو: فرقة أشر و المطرب حسن الصغير من النوبة . يقدم هذا الحفل بالتعاون مع المركز المصري للفنون الذي يديره الدكتور / أحمد المغربي.





الخميس 7 يوليو : فرقة أراجيد و المطرب سيد جاير من النوبة. يقدم هذا الحفل بالتعاون مع المركز المصري للفنون الذي يديره الدكتور أحمد المغربي.





الجمعة 8 يوليو: فرقة البرامكة. تأتي هذه الفرقة من مدينة المطرية في شمال الدلتا و تستمد اسمها من عائلة البرامكة الشهيرة في التاريخ الاسلامي و التي تفرق نسلها و أتباعها في العالم الاسلامي بعد نكبة البرامكة في عهد الخليفة هارون الرشيد. أعضاء الفرقة التي تقدم أغانيها بمصاحبة الايقاع فقط هم جميعاً أبناء أسرة واحدة ، و تتنوع أغانيهم بين دينية و عاطفية و أغان للصيادين حيث يعمل معظم البرامكة في صيد السمك من بحيرة المنزلة. يقدم هذا الحفل بالتعاون مع مركز المصطبة للموسيقى الشعبية المصرية الذي يديره الأستاذ/ زكريا ابراهيم.





الخميس 14 يوليو: فرقة الطنبورة. واحدة من أكثر الفرق الموسيقية في مصر شهرة و جماهيرية ، تأسست في عام 1989 و تضم حوالي عشرين مؤدياً بين عازف و مطرب و راقص و تقدم الأغاني الخاصة بمنطقة قناة السويس و التي تؤدى بمصاحبة آلات السمسمية و الطنبورة. و بالإضافة الى حفلها الاسبوعي يوم الأربعاء في بور فؤاد ، تقدم الطنبورة حفلاتها في مصر و بلاد العالم المختلفة على مدار العام. و قد حصلت الطنبورة على جائزة المهرجان الدولي للأغنية و الموسيقى في كندا عام 2000 كما شاركت في مهرجانات هامة في السويد و فرنسا و بريطانيا و مالي و سويسرا. يقدم هذا الحفل بالتعاون مع مركز المصطبة للموسيقى الشعبية المصرية الذي يديره الأستاذ/ زكريا ابراهيم.





الجمعة 15 يوليو: فرقة النيل للإنشاد الديني. يحتفي الحفل الأخير في برنامج "شعبي" بأساتذة الإنشاد الديني الشعبي في منطقة الدلتا و الذين يطلق عليهم "الصييتة". هذه الفرقة تابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة و هي منبثقة عن فرقة النيل للموسيقى و الغناء الشعبي التي يشرف عليها الفنان عبد الرحمن الشافعي.





تبدأ جميع الحفلات في التاسعة مساءً . لمزيد من المعلومات أو لإجراء مقابلات صحفية يرجى الاتصال ب : محمد طلعت ت 0105755191




٠١ يونيو ٢٠٠٥

ستوكهولم


قالوا أنها جميلة فقلت أن كل من يسافر أوروبا يعود منبهراً أياً كانت المدينة، فلم أتوقع أي اختلاف بين ستوكهولم وبين مدن ألمانيا التي زرتها وأحببتها ... على كل حال دعاني صديقي لأزور المدينة وها أنا في الطائرة.

خرجت من المطار ونظرت حولي وكما توقعت الشوارع نظيفة والسيدات جميلات وأنيقات كما قيل عنهن .. تلك هي بلاد أوروبا الغنية.
الطريق السريع الذي سلكناه من المطار إلى المدينة كان طويلاً وجميلاً ... وعادياً.

دخلت المنزل المُنَمَّق ورحبت بي أسرته ترحيباً شديداً وانهالوا علي بالأحضان والقبلات والأسئلة: هل أنتي جوعانة؟ هل آتي لك بكوب من القهوة؟ اتركوها لترتاح فهي أكيد متعبة .. أُشعل لكِ المدفأة في غرفة النوم؟ .. الخ.
كان هذا هو أول اختلاف وجدته بين السويد وألمانيا. ومنذ تلك اللحظة تلاحقت الأحداث وأخذت المدينة الجميلة على عاتقها مهمة إبهاري كأنما عليها ندر إن لم توفيه احترقت!

بعد الترحيب والأكل والشرب والترحيب والأكل ومزيد من الترحيب خرجنا إلى حديقة المنزل الخلفية التي زرعت فيها الأم زهوراً وشجيرات تنبعث منها روائح الجنة، وطماطم في حجم التفاح – أكلنا منها فيما بعد- وشجرة فاكهة تشبه الخوخ لم تكن قد أثمرت بعد، وفي ركن من أركانها جلسنا على "مرجيحة" - لا تصدر أصوات "تزييق" عند الحركة - لنراقب الغروب...

خدرني لون السماء الذي لم أجد له تصنيفاً – برتقاليٌ ضاربٌ إلى الحمرة ممتزجٌ بخطوط زرقاء تميل إلى البنفسجي - وقاومت النوم الذي بعثه في الهدوء حتى لا أضيع لحظة من هذا المشهد الفردوسي. لكن جسدي أقوى من عقلي، وعندما يأخذ قرار فقدان السيطرة والاستسلام للنعاس – أو لأي ضعف إنساني آخر – حتى الطبل البلدي لا يستطيع أن يثنيه عن عزمه!
تخللت أحلامي مشاعر الذنب والأسف ... كيف تنامين وتتركين هذا المنظر؟
لكنني عندما فتحت عينيَّ وجدت المدينة تبتسم في وجهي قائلة بصوت رقيق دافئ –تشوبه بعض نبرات الفخر والاستعلاء الطفيفة – "الغروب عندنا يا عزيزتي يدوم ساعات كما يدوم الشروق ... يومنا في الصيف طويل وليلنا لا يعرف الظلام. فمازال يمكنك التمتع بالغروب حتى بعد أن نمتِ أكثر من ساعة"

ابتسمت تقديراً وانحنيت اعتذاراً وسلمت نفسي لها لتمارس عليَّ كل وسائل التعذيب الممكنة: رائحة الزهور في وسط المدينة، الوجوه المبتسمة في كل مكان، أشجار ذات ألوان لم أعرف بوجودها، أنغام وأحلام وعيون مشرقة متفائلة... القائمة لا نهاية لها، حتى فقدت السيطرة تماماً وهمت على وجهي في فضاءات وردية أغني كالشيوخ النشوانين في مقامات بيرم "يا أيتها المدينة الحنونة القاسية! كفى! لن يحتمل قلبي مزيداً من الجمال ... الحب والأمل والحلم أحمال فوق أحمال! كيف أعود إلى أهلي وأنا على هذا الحال؟!"

وبعد أيام طويلة من الغرق في النشوة والأحلام رق قلبها أخيراً. استيقظت من نومي بقلب منقبض مثقل بالتشاؤم ...
بالرغم من أنها لم تخبرني عندما اتصلت إلا أنني تيقنت أن مكروها ما قد أصاب أبي عندما سمعت صوت أختي.

****

طاب أبي قبل أن أعود إلى الوطن واستمتعت بباقي الرحلة وعدت إلى القاهرة بصور كثيرة وحكايات أكثر. صرت أحكي لكل الأصدقاء والأقارب عن ستوكهولم الساحرة بلياليها البيضاء وشمسها التي لا تغيب...

ومنذ ذلك الحين وأنا أعشق ضوء القمر.

٢٤ مايو ٢٠٠٥

هكذا قَصَّتْ وحَذَفَتْ وحَرَّفَتْ الدستور في النص


(كل ما حذف أو تم تغييره باللون الأحمر)


- سامية .. لابد أن تأخدينا اليوم في ال "لانش بريك" إلى "ذا سيتي أوف ذا ديد".
- لا تؤاخذوا جهلي ... لا أعرف عما تتحدثون!
- ماذا؟؟؟ ألا تعرفين "ذا سيتي أوف ذا ديد"! .. كل أصدقاءنا الذين زاروا مصر قالوا لنا أنه من أهم الأماكن التي يجب أن نزورها.
- حسناَ... انتظروا لحظة
- ألو؟ أيوة يا بسمة... ألا والنبي مين "سيتي أوف ذا ديد" دي؟
- .......
- بتضحكي على ايه؟؟
- .......
- انتي بتتكلمي بجد؟ طيب ودي عايزين يروحوا يعملوا فيها ايه؟
- .......

*******

في الساعة الثانية والنصف ظهراً بشارع عماد الدين:
- تاكس!
...
- تاكسي!
...
- تاااكس!!!
- الدرّاسة ياسطى؟
- ....
- أيوة عند المدافن ... انت عرفت منين؟؟
- "ماحنا ياما بناخد الأجانب هناك يا مدام ... دي منطقة "مُشَيّقة" جداً بالنسبة لهم".
(حورها الدستور إلى "شيّقة" مع حذف الميم. ربما اعتبرها خطأ إملائي أو لم يفهم النكتة أواعتبرها نكتة بايخه لكن الحقيقة المُرة إن السائق فعلا قالها "مُشَيّقة" ... أي والله)
من خلف زجاج السيارة صوبت الأستاذة الأستاذة ميلينا دراجيتشيفيتش (حذفوا الإسم - ربما لم يعجبهم - في حين أنني أعتبره مهماً لأنه يعزز الإحساس بالغربة وقلة الحيلة التي شعرت بها بطلة القصة لتواجدها مع أشخاص لا تستطع نطق أسمائهم )
، رئيس أقدم جامعة بأوروبا الشرقية، كاميرا فيديو باتجاه العشش التي احتلت حوش بعض المقابر باحثة عن ساكني مدينة الموتى. ظهرت سيدة مقرفصة أمام عتبة حوش و أمامها "طشت" مملوء بماء معكر. نظرت الينا بعينين متشبعتين بلامبالاة مألوفة واستمرت في "دعك" الغسيل.

- هل لدى هؤلاء الناس مياه نظيفة وكهرباء؟
- لا أعرف.... في الغالب...

وبعد جولة المدافن صمم سائق التاكسي أن نمر بجامع قايتباي ليطيل الرحلة أو على حد قوله ليتفرج عليه "السياح".
(ربما لم تعجبهم الجملة وربما لا تعجب أي أحد ولكن من أعطاهم حق الحكم والقص والتصليح)

دخلنا المسجد ولم يطلب منا أحد أن نضع منديلاً على رؤؤسنا كما حدث في آخر مرة ذهبت فيها إلى الحسين مع أصدقاء أجانب.

إطمأنت عيناي للإضاءة الخافتة وانعكس على قلبي هدوء المكان. سقف المسجد عال تحلق فيه عصافير القاهرة الرمادية الصغيرة. على يساري شبابيك ذات زجاج بقيت ألوانه ثابتة منذ القرن الخامس عشر وعلى يميني منبر خشبي بنقوش إسلامية دقيقة . أغمضت عيناي وتمنيت أن أخلد إلى النوم في هذا المكان الجميل ، جاءني صوت ميلينا تذكرني أننا يجب أن نعود الى العمل ففتحت عيني في تكاسل (لم تعجبهم أيضاً؟) ودرت بنظري في المكان مودعة فوقعت عيناي على ورقة صغيرة معلقة على أحد الجدران: "توجد بالمسجد أكفان رجالي وحريمي".