٣٠ مايو ٢٠٠٦

فرح يخلي الحزن يتّاخر

بدل ما أعِد الخرفان امبارح عشان أنام قعدت أعد في الحاجات اللي بتفرحني. أحلى حاجة في الموضوع هي إني فرحت فعلا ... مع إني بقالي فترة المشاكل والإحباطات مسيطرة على تفكيري. أشكرك يا محمد على إنك دبستني في التفكير في أشياء مفرحة، وربما كان هذا أفضل علاج للحالة اللي أنا فيها. الواحد فعلا ما كانش واخد باله ان فيه حاجات كتير قوي كده بتفرّح. أكيد مش ح اقدر أقولها كلها..

منها مثلا اني أكون في سيرة صديقة عزيزة جدا مسافرة بعيد وواحشاني وألاقي التليفون بيرن زي ما حصل امبارح

ومنها اني أكون متأكدة إن مهما يحصل طول النهار وأياً كان مسار اليوم وأيا كانت الإحباطات اللي بقابلها، فيه لحظة أمان وسعادة خالصة حتيجي في آخر اليوم لما باحط راسي على صدره وأنام

بيفرحني كمان يوم الجمعة بكل تفاصيله: شوارع القاهرة الهادية، مشوار كوبري 6 أكتوبر من المهندسين لمدينة نصر لتناول وجبة حنان دافئة عند حماتي، عيون عمي أحمد المرحبة دائماً وابتسامته الشقية.. والأبوة اللي لقيتها فيه، فنجان القهوة بعد الظهر مع فاكهة الموسم..

بيفرحني منظر الصينية عليها كبايات شاي كتير عند الحاجة ذكية وكل حبايبي قاعدين حواليّ وولادهم قالبين البيت حديقة أطفال .. وبناتهم اللي كبروا شوية ولابسين توكة لون الفستان وبيغنوا "قلبي بيزغزغ روحه بروحه .. علشان يمسح منه التكشيرة" .. وولادهم اللي كبروا أكتر وبيكتبوا شعر بيوجع

بيفرحني كيس الفشار في السينما

بيفرحني حضن أخويا وصوته

بتفرحني قصيدة جديدة كتبها أمين

بافرح لما اسمع ضحكة أمينة وصوتها لما تغني، ولما اتكلم تفهمني من غير ما اشرح.. ولما اسكت ما تمشيش وتفضل جنبي لحد ما كل شيء يتصلّح

بيفرحني شغلي لما اعمله صح

بتفرحني الأجازة... وبيفرحني السمك، نَيّ أو مطبوخ!

بتفرحني حكايات عمتي

بافرح لما الوجع يطلع في قصة جديدة، أكتبها وتطلع حلوة فأفرح وأنسى الوجع..
بيفرحني شعر فؤاد حداد

بافرح لما صحابنا يجولنا البيت والوقت يجري كأنه ثواني

بتفرحني سهرة مع ناس ما اعرفهمش وتخلص واحنا صحاب

بتفرحني هلِّة سلمى ودخلة حاتم علينا قائلا "بونجور!"

بتفرحني
رحاب لما بتبقى قريّبة

وبتفرحني نجلا من يوم ما بقينا صحاب... لما كنا في المصيف وخرجنا خلسة نشرب سيجارة وتوهنا ساعتين لغاية ما لقينا البيت. بتفرحني كل ما اشوفها

بافرح لما يقولولي اني في شبه من منال

وبافرح بحفلة اسكندريللا و باليه كسارة البندق

بافرح بالرقص عموما..

بيفرحني صوت ام كلثوم يفاجئني وانا ماشية في شوارع مدن عربية زي بيروت وعمان وفاس

بيفرحني الشجر اللي في شارع سليمان أباظة

بتفرحني سعادة أمي

بافرح لما عمرو يقرالي شعر ويسمعني مزيكا ويغنيلي أغاني ما اعرفهاش

بافرح لما افتِكِرنا واحنا بنرقص في الشارع في نص الليل

أو بنغني في العربية بصوت عالي

بافرح بصورة فرحنا واحنا باصين لبعض

وبصورة ولادنا في خيالي...

أنا ما باحبش أدبس حد في حاجة.. بس بصراحة أنا استمتعت بتذكر الحاجات دي وأحب كل الناس اللي باحبهم يعيشوا هذه التجربة. خصوصاً عمرو وعبد الحق ورحاب وحسين وعمر وهبة.. وناس تانية كتير بس مش عايزة "أدبس" الناس في حاجة لو مش عايزين يعملوها. براحتكم يعني! :)
_______________
تحديث: نسيت حاجة تانية مهمة جداً بتفرحني: تقاطيع عبد السلام النابلسي ياختي عليه وعلى جماله!

١٩ أبريل ٢٠٠٦

* قِزاز.. لكن زي المراية

رأيناها من على بعد تلوح بيديها في الهواء كالغرقى من خلف حاجزٍ زجاجيٍ هائل. كالسيوف قطعت يداها حديثنا البهيج. كنا نمرح ونلهو ونتبادل نكات حفظناها وتناسيناها.. حفاظاً على أمزجتنا من كدر الحياة. كنا سائرين متشابكي الأيدي متناسقي الألوان... لا تبدو علينا غربة ولا أحزان. ففي كل صباح ننهض من فراشنا، نخلع عن أجسادنا الكوابيس ونكسوها بأقطان وحرائر ناعمة ونبدأ معا – كل على حدة – رحلة فقدان الذات اليومية. لا صعوبة فيها.. فكل الطرق ممَهَّدة وجميعها تؤدي إلى روما.. أو إلى النادي... أو المقهى الأمريكي.. أو الفيلم الأمريكي.. أو الحلم الأمريكي. وما أهمية الطريق أو المكان المقصود على كل حال؟! المهم الصحبة! المهم الضحك والمرح والنسيان!

كيف جرؤَت تلك الحمقاء إذا أن تلوح بيديها هكذا قاطعة خيوط أفكارهم؟ كيف اعتقدت أنهم سيستجيبون؟ ألم تكن تعلم أن الأشياء تبدو أقرب حين نراها من خلف الزجاج؟ ألم تدرك بفراستها وذكائها ومحاولاتها عبر السنين أن نداءها غير مسموع وأنه لم تعد هناك أرواح في أجسادهم الناعمة لتستجيب؟

مررنا من أمام السور الزجاجي ولوحنا بأيدينا مبتسمين. حاولنا! حقاً حاولنا، لكنها لم تضحك على نكاتنا ولم تسمع أغانينا. تسمرت في مكانها وبدأت عيناها في التحول إلى كرات زجاجية .. ومن عينيها إلى وجهها ثم عنقها ثم صدرها، في ثوانٍ أصبح جسدها كله تمثالاً من الزجاج الشفاف، امتزج بالحاجز الزجاجي الذي يعزلها عنا.. فلم نعد نراها.

تنفسنا الصعداء وذهبنا آمنين مبتهجين... لا تبدو علينا غربة ولا أحزان.


___________________
* العنوان مقتبس من قصيدة فؤاد حداد "الفن مملكة"

١١ أبريل ٢٠٠٦

ذنوب

في يوم ما سأتخلص من هذا الجهاز البشع الذي أجلس أمامه كل يوم أتعاطى البرامج السخيفة والأخبار الكئيبة والمسلسلات المملة. وقبل أن أتخلص منه سأطعن هذه الأريكة التي تجلس لا مبالية أمامه... سأطعنها بسكين عريض مدبب الرأس وسأطرب لصوت القماش الثقيل وهو يتقطع... سأرجم اللوحات التي شاخت على الحائط و أنهش المكتبة الخشبية القديمة بأظافري حتى تدمى. سأدمر هذا المكان وأتخلص من كل شيء ارتبط بهذا الجهاز اللعين. أكره هذا القبيح وألومه على تأخري عن كل شيء! ألومه على سلم الكتب المهجورة بجانب فراشي وألومه على أوراق كراساتي البيضاء التي فارقها القلم. أحمله ذنب هجري لشوارع القاهرة القديمة التي اعتادت أن تراني أجوبها ويدي في يد حبيبي، وذنب المسرحيات وأفلام السينما والأمسيات التي فاتتني. ألومه و ألومه وحده على فقدي كل أصدقائي واحدة تلو الأخرى .. واحداً بعد الآخر. سألومه وأعاقبه أشد عقاب... فما عادت كتفاي تقويان على تحمل ثقل كل هذه الذنوب.

٠٤ أبريل ٢٠٠٦

تصغير الكبراء والتنوير الزائف!

البحث التالي بعنوان "تصغير الكبراء" من كتاب "التنوير الزائف" للدكتور جلال أمين الصادر عن دار العين للنشر:

زاد في العقدين الأخيرين عدد الكتابات المنشورة في مصر التي تتناول بعضا من أغلى المقدسات لدى المصريين، بأقل من الاحترام الواجب لها. والظاهرة مؤسفة كما أنها مدهشة وداعية للتأمل. فليس صحيحا أن هذه الظاهرة تعبر عن اتجاه قديم وطبيعي يتصاعد باستمرار، أو أن المعبرين عن هذه الظاهرة لا يفعلون أكثر من استكمال مسيرة متواصلة من "الإصلاح". على العكس من ذلك: إن الظاهرة تظهر وتخبو، تقوى ثم تضعف، مما يوحي بأن هناك بعض الظروف الاجتماعية التي قد تكون مسئولة عن اشتداد قوة هذا الاتجاه أو أفوله. ناهيك عن القول بأن هذه الظاهرة تمثل جزءا من حركة "التنوير" في الثقافة المصرية.

إن المعبرين عن هذه الظاهرة يحبون بالطبع أن تشخص أعمالهم هذا التشخيص، فتدرج تحت شعار يوحي بالتقدم والإصلاح، إذ لا يعادي "التنوير" إلا رجعي متخلف جهول. وإدراج أعمالهم تحت شعار التنوير من شأنه أن يجعل أسماءهم تذكر مع أسماء لها لدى معظم المثقفين المصريين سحر خاص واحترام كبير، كأسماء: رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين ولطفي السيد وطه حسين، فضلا عن أنه يضمن لهم احتفال وسائل الإعلام الغربية بهم، وقد يعني هذا شهرة عالمية، أو على الأقل تلقي الدعوات بصفة منتظمة لحضور المؤتمرات التي تعقد في بلاد ذات أسماء ساحرة بدورها، لمناقشة آخر ما يحدث من تطورات في بلادنا التعسة.

هذه الظاهرة التي أقترح تسميتها بظاهرة "تصغير الكبراء"، ليس لها في رأيي أي نسب بعملية "التنوير"، إذا أعطينا كلمة التنوير معنى يتفق حقا مع هذه الكلمة المضيئة والنيّرة، أي معنى العلم بعد جهل، والحكمة بدلا من الحماقة والنزق، والاهتداء إلى الطريق الصحيح للنهضة بعد عهد طويل من الضلال.

ذلك أني لا أرى أي جاذبية خاصة في أن يتناول الكاتب شيئا يتمتع باحترام عام لدى الناس فيحاول هدمه هدما، ويشجع الناس على التمرد عليه والسخرية منه. ولا أجد أي سبب للشعور باحترام خاص لكاتب يجعل كل همّه إبراز نقائص شخصية تاريخية عظيمة، اتفق الناس على حبها واحترامها، والاهتمام اهتماما خاصا بتفاصيل صغيرة، من النوع الذي يشترك فيه الناس جميعا، ولا تميّز شخصا عن آخر، فيسلطون الضوء عليها ويضخمونها على حساب الصفات العظيمة حقاً، والتي تميز حقاً بين العظيم والحقير.

ثم إني لا أجد أن هذه الكتابات مما يندرج تحت ظاهرة "تصغير الكبراء"، تحتاج إلى كاتب ذكي ذكاء خاص، أو محقق بارع يتمتع بدرجة متميزة من الصبر والجلد على الدرس، أو قدرة فائقة على الإحاطة بما لم يحط به المتقدمون، أو مهارة نادرة يفتقر إليها من يحترم مقدسات أمته. وإنما يحتاج إلى سلاطة لسان، ورغبة قوية في لفت الأنظار، وجمع بعض التفاصيل التي يأنف الذوق السليم من الوقوف عندها، وميل شديد إلى الحصول على رضا الأجانب، ولو على حساب أهله وقومه. بعبارة أخرى يحتاج هذا الميل الشديد إلى تصغير الكبراء إلى نفس صغيرة بدورها، تتلذذ تلذذاً خاصاً بأن تجعل الشخصية الكبيرة تبدو صغيرة مثلها.

والأمر هنا له شبه بما نعرفه عن بعض الناس الذين يجدون متعة زائدة، وتلذذاً خاصاً في الكلام عن نقائص الآخرين من وراء ظهورهم، ويميلون إلى نسيان كل فضائل الآخرين مع التضخيم من أي هفوة صغيرة سمعوا بها عنهم، صحيحة كانت أم كاذبة.

***

هذه الظاهرة، ظاهرة الميل إلى تصغير الكبراء، ليست بالطبع ظاهرة خاصة بنا وحدنا، بل يعرفها تاريخ أمم غيرنا، بما في ذلك تاريخ تلك الأمم المعروفة بالمتقدمة، والتي ننقل عنها في العادة آخر "موضاتها" الفكرية والمادية. شاع هذا الميل مثلا في بريطانيا في العشرينات من هذا القرن، بعد نشر ليتون ستراتشي كتابه المشهور بعنوان "شخصيات بارزة من العصر الفكتوري"، وفي ألمانيا في نفس الفترة بعد أن نشر إميل لودفيج تراجمه لنابليون وجوته والمسيح، وحمل لواء هذا الاتجاه أيضاً أندريه موروا في فرنسا وهنري آدامز في الولايات المتحدة، هؤلاء الذين وصف أحد علماء الاجتماع الكبار أعمالهم بالعبارات التالية، والتي تذكرك بشدة بما دأب بعض كتابنا على فعله خلال العشرين سنة الماضية:

"إنهم يحطمون ويحقرون أية شخصية يتناولونها، مهما كانت سامية. كل شيء تلمسه أيديهم (سواء أكان الذي يتكلمون عنه هو الله نفسه، أو شخصاً نبيلاً، أو إنجازاً عظيماً) يفسرونه تفسيراً ساخراً بحيث يظهرونه في شكل سلبي أو عادي تماماً، أو يظهرونه كشخص شاذ أو مريض بمرض نفسي، أو مدفوع بدوافع دنيئة وأنانية، أو (وعلى الأخص) بدوافع فسيولوجية. العبقرية تتحول على أيديهم إلى نوع من الجنون، والتضحية المجردة من الغرض يفسرونها كنوع من الشعور بالنقص، أو بعقدة أوديب، أو بالنرجسية، أو غيرها من العقد النفسية، ويفسرون العمل النبيل من أجل المجتمع على أنه استجابة لغريزة القطيع. والدوافع الأساسية في نظرهم هي الغريزة الجنسية، وانفصام الشخصية، وعقدة الاضطهاد. أما القديسون فيصورونهم على أنهم أشخاص معتوهون، والزعيم الوطني المحبوب يصورونه على أنه شخص يعاني من ميول جنسية غير طبيعية، والورع يعتبرونه جهلاً وتسليماً بالخرافات، والاستقامة الخلقية يعتبرونها نفاقاً، والإنجاز المتميز يردونه إلى محض الحظ.. وهكذا"

P.A. Sorokin: The Crisis of Our Age, E.P. Dutton & Co., N.Y. 1941, pp.121-2

إن من الممكن أن نرد على هؤلاء بطريقتهم، فنحلل نوازعهم وأغراضهم الدفينة، ونكتشف أنهم يعانون من عقد نفسية تكوّنت في الصغر تدفعهم دفعاً إلى تحقير من هم أفضل منهم، فلا يستريحون إلا بالحط من شأن العظماء حتى يصيروا متساوين بهم، ويتحرقون رغبة في لفت الأنظار إليهم، ولو بإثارة غضب الناس وحنقهم، وطمعاً في الشهرة، ولو كانت شهرة بأسوأ الأشياء، فهم لا يستريحون إلا إذا وجدوا أسماءهم على كل لسان، وما الذي يضمن لهم ذلك أكثر وأسرع من هذا الطريق: طريق تصغير الكبراء؟

يصف شكيب أرسلان "هذا الميل في النفس إلى إنكار الإنسان لماضيه"، وميله إلى القول"بأن آباءه كانوا سافلين"، بأنه:

"لا يصدر إلا عن الفسل الخسيس، الوضيع النفس، أو عن الذي يشعر أنه في وسط قومه دنيء الأصل، فيسعى هو في إنكار أصل أمته بأسرها، لأنه يعلم نفسه منها بمكان خسيس ليس له نصيب من تلك الأصالة، وهو مخالف لسنن الكون الطبيعية التي جعلت في كل أمة ميلاً طبيعياً للاحتفاظ بمقوماتها ومشخصاتها من لغة وعقيدة وعادة وطعام وشراب وسكن وغير ذلك إلا ما ثبت ضرره"

شكيب أرسلان: لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟ (1930) منشورات دار مكتبة الحياة – بيروت 1975، ص 88

إن هؤلاء المشغولين بتصغير الكبراء يحبون أن يصوروا ما يقومون به على أنه "تنوير"، أي على أنه جزء من حركة تحريرية عظيمة للعقل البشري. إنهم يتصورون أنهم بما يكتبون يميطون اللثام عن حقائق كانت خافية، ومن ثم يساهمون في "تنوير" العقول، وتقليل مساحة الظلام. وتصغير الكبراء في نظرهم جزء من عملية توسيع نطاق المعرفة وانتصار جديد للعلم، بغزوه لمنطقة كانت محرمة عليه. كما يظنون أنهم بتصغير الكبراء يخدمون قضية الديمقراطية، إذ أنهم بما يفعلون يظهرون أنه ليس هناك "كبير" يستعصي على النقد. والتجرؤ على الكبراء في نظرهم جزء من التجرؤ على السلطة بوجه عام، فضلا عن أن الكشف عن أخطاء هؤلاء الكبار ونقائصهم يدلل على أن الناس جميعاً في الحقيقة متساوون، إذ يبين أنه ليس هناك أحد معصوم من الخطأ، وليس هناك أحد تجتمع فيه كل الفضائل ويرتفع عن كافة الرذائل، كما كان الناس يتصورون من قبل.

هذا التصوير لظاهرة تصغير الكبراء، هو في رأيي أبعد ما يكون عن الحقيقة، بل هو في رأيي أقرب إلى ما يطرأ على عقل شاب مراهق من أفكار مبعثها قلة نضجه، ولهفته إلى إثبات شخصيته عن طريق تحدي أبويه، والاستخفاف بمن يكبرونه سناً، ثم سرعان ما يتبين نزقه وحماقته متى تجاوز مرحلة المراهقة، فيعود إلى احترام ما كان من قبل دائم النقد له، بل سرعان ما يتبين أن تجرؤ الصغير على الكبير كثيراً ما يكون أكثر بشاعة من تسلط الكبير على الصغير. إن رؤية الابن لأبيه لأول مرة وهو عاري الجسد، أو اكتشافه لأول مرة أن أباه يمارس الجنس شأنه شأن بقية البشر، قد يشكلان لأول وهلة اكتشافاً مهماً في نظر الابن، ولكنهما بكل تأكيد لا يشكلان موضوعين مناسبين للحديث بين أفراد الأسرة، والابن الأحمق فقط هو الذي يشرع في وصف ما رآه لبقية أفراد الأسرة ، على أساس أنه يقوم بعملية "تنويرية"، وأنه بذلك يوسع من نطاق "المعرفة"، ويحقق انتصاراً "للعلم"!

إن عملية التنوير، أو تحقيق انتصار للعلم لا يمكن الفصل بينهما، وبين الاعتبارات الملاءمة والفائدة واللياقة، ولا يمكن الحكم على ملاءمة إضافة معلومة من المعلومات دو النظر إلى السياق الذي تتم فيه هذه الإضافة. بل لعل هذا "السياق" أو هذه "الملاءمة" هما من الاعتبارات الأساسية في التفرقة بين "زيادة المعلومات" و"زيادة المعرفة"، أو على الأقل هكذا يمكن تعريف "المعرفة" لتمييز عملية إثراء حقيقية للعقل الإنساني عن مجرد إضافة معلومات جديدة قد يكون ضررها أكبر من نفعها.

إن شخصاً ثرثاراً، يأبى الكف عن الكلام، قد يكون دائم الإضافة إلى معلوماتنا ولكنه لا يساعد على إثراء "معرفتنا" بالأمور التي يتكلم عنها ما لم يحسن اختياره لما يقال بين الكمية اللانهائية من المعلومات التي يمكن جمعها عن هذه الأمور. والتمييز القديم بين علم ينفع الناس، وعلم لا ينفع الناس، قد يصح أيضاً أن يكون تمييزاً بين العلم الحقيقي والمعرفة الحقيقية، وبين محض الثرثرة. والمدهش أن المولعين بتصغير الكبراء كثيراً ما يظنون أنهم يحسمون الأمر لصالحهم ويردّون على المعترضين عليهم رداً نهائيا بمجرد أن يقولوا: "ها هي ذي أدلتنا على صحة ما نقول، وها هي ذي مصادرنا ووثائقنا، فهل تشكون في صدق هذه المصادر؟" ذلك أن الشخص الثرثار قد يكون كل ما يقوله حقيقياً (كما أن أفلام الإثارة الجنسية، التي لا تستهدف إلا هذه الإثارة قد لا تفعل أكثر من "الكشف" عن الجسم الإنساني دون أي إضافة!)، ولكن هذا الشخص الثرثار قد يكون مع ذلك عظيم الضرر، ثقيل الظل، ممن يجدر بنا تجنب مجلسه والانصراف عنه.

والأمر هنا شبيه أيضاً بالدفاع المألوف، الذي يردده أصحاب الصحافة الصفراء، في الغرب كلما تناولوا الحياة الشخصية لأحد كبار الساسة أو نجم من نجوم الفن، أو عندما يملئون صفحاتهم بتفاصيل الحياة الخاصة لرجل عظيم مات منذ زمن طويل، فراحوا يفتشون عن أي شيء غير طبيعي يمكن إلصاقه به مما يمكن أن يجلب الإثارة للمعاصرين. فالدفاع المألوف يدور حول مقولة "حق الناس في أن تعرف". ولكن هذا التقديس الغريب لما يسمى "بالمعرفة"، بصرف النظر عما إذا كانت معرفة حقيقية، أم مجرد إلقاء لبعض المعلومات، يندرج أيضاً تحت ظاهرة "تصغير الكبراء"، وهو أبعد ما يكون عن أي "تنوير" حقيقي.

***

ولكن ربما كان أسوأ ما في ظاهرة تصغير الكبراء هو ما تشيعه من مناخ فكري وموقف نفسي مضاد تماماً لمتطلبات نهضة هذه الأمة. فعظماء الأمة هم أفضل ما فيها، والسخرية منهم هي سخرية الأمة من نفسها، واستعذاب أمة لتصغير كبرائها معناه على الأرجح أن الأمة قد هانت على نفسها لدرجة أنها أصبحت تستعذب هذه المهانة. والابن الذي تصبح إهانة الأب والأم لديه عادة مستحبة، يواصل ممارستها مهما تقدمت به وبهما السن، هو ابن بائس مقضيّ عليه بالضياع، وكذلك الأمة التي ترى من كتّابها من يستعذب تصغير كبرائها فتجاريهم وتشجعهم وتصفق لهم، وهي لا تدري أنها بذلك تقتل نفسها قتلاً، ولا يمكن أن نتصور هذه الأمة وهي تنهض من جديد، إلا إذا رأيناها تكف عن هذا المسلك القبيح.


____________________
© 2005 جلال أمين
المقال منشور بإذن من الكاتب.

١٥ مارس ٢٠٠٦

إيقاع الزمن

قبل مشاهدة معرض سمير فؤاد السابق لم أكن أعرف أن زيارة معرض فن تشكيلي ومشاهدة اللوحات على طبيعتها تجربة لا تقل روعة عن مشاهدة مسرحية أو حفل موسيقي أو أمسية شعرية، وأنها تجربة -مثلها مثل المسرح والموسيقي والسينما- تملك القدرة على تشكيل مزاج المتلقي وأخذه إلى أماكن في نفسه لم يكن قد زارها من قبل. هذا بالضبط ما حدث لي عندما زرت معرض "شهرزاد ترقص". دخلت القاعة وسرت بتأني أتفقد لوحات لسيدات يرقصن... لكل لوحة طابعها الخاص ولكل امرأة روح تكاد تقفز من اللوحة لتجذبني معها في رقصة لا نهائية. تمنيت حقاً أن أكون وحدي في هذه القاعة المزدحمة حتى أدور حول نفسي ويطير فستاني حولي مع "شهرزادات" سمير فؤاد. تلك الشهرزادات المنطلقات بداخل أُطُر اللوحات.. لا يمنعهن الإطار من الوصول إليّ.. ولا يمنعهن توقف الزمن عند اللحظة التي اكتملت فيها اللوحة. داعبتني أسئلة حول الحركة والزمن واستمراره المتناقض مع توقفه. ويا لعجبي حين علمت أن معرض سمير فؤاد القادم بعنوان "إيقاع الزمن"*. أترككم مع كلماته ولوحة من لوحاته:


مقدمة

يستعيد إيقاع الزمن في مخيلتي مطلع سيمفونية جوستاف مالر السادسة بالغة القتامة ..
إيقاع قدري عنيد لا يتوقف ابدا...سرمدي البداية منذ الدفقة الأولى للانفجار العظيم.. يسير في إصرار إلهي إلى اللامنتهى...
لا نحس للزمن وتيرة ثابتة .. فهو أحيانا في هدوء جريان جدول رقراق .. وأحيانا أخرى هادر هائج مثل موجه مد عاتية ولكنة دائما يكتسح أمامه كل شئ .. لا شيء باق على حاله .. أسرى نحن في هذا الوجود ... لا نملك حق العودة إلى الوراء ولا الهرولة إلى الأمام. قالها قس بن ساعده "كل ما هو آت آت" دورات لا نهائيه من الحياة والموت، الهدم والبناء، سدم ومجرات تتكون ثم تتبعثر، إنفجارات تسطع بضوء ملايين الشموس.. وثقوب سوداء تلتهم أي شيء وكل شيء.. حتى الزمن ذاته.. وحينئذ سوف تنضغط كل الموجودات في بؤرة واحدة تذوب وتتوحد في الذات العليا.

خواطر على هامش المعرض

عن الزمنية في الفن التشكيلي يقول الناقد جان بيير كريكى: "في البداية يمكن أن يكون هناك زمن معروض في العمل احتفاء بلحظه أو أحداث مختلفة ترتبط بعضها ببعض وفي بعض الحالات بالإضافة إلى ذلك نجد ما يسمح لنا أن نضع أيدينا على بعض الملامح في عملية إعداد العمل المادية ثم يأتى بعد ذلك عمر العمل ممثلا في المسافة الزمنية التي تفصلنا عن بداية وجوده ويكون هذا الزمن حاضرا في أذهاننا ومؤثرا على إدراكنا للعمل إضافة إلى التحولات المادية الشكلية التي تصاحب بقاء هذا العمل عبر السنين والقرون".
إن عنصر الزمن في العمل التشكيلي عنصر مركب ومعقد وهذا ليس بمستغرب، فمفهوم الزمن عامة قد حير العلماء والفلاسفة عبر العصور ومازال حتى اليوم ما بين "نسبية" إينشتين و"كم" ماكس بلانك، توجد ألغاز كثيرة لم يتم حل طلاسمها.
في عالمنا المادي لا يوجد زمن بدون حركة. إذا توقف الزمن .. توقفت الحركة وخمد كل شيء.. لا يوجد سكون مطلق .. وكذلك لا توجد حركة مطلقة .. توجد حركة نسبية وسكون نسبى.
وبالتالي فإن إحساسنا بالزمن يأتي عبر إحساسنا بحركة الأشياء سواء بشكل مباشر مثل صبى على أرجوحة .. أو عبر التغيير الذي يحدث للأشياء مثل ذبول ورود في زهرية .. وتبقى مقولة "دوام الحال من المحال" شاهد بين على مرور الزمن.
الزمن الذي نحن بصدده هنا هو الزمن الداخلي والذي تتضافر عناصر اللوحة التشكيلية جميعها من موضوع وخط ولون ومساحه وملمس سطح في خلقه عبر إيجاد حركه داخل العمل يتم نقلها إلى عين الرائي وإدراكه.
من ناحية الموضوع يمكن تقسيم لوحات هذا المعرض إلى مجموعتين رئيستين .. مجموعة تدور موضوعاتها عن أجسام في حالة حركة .. أطفال تلعب .. سيده تسير ..الخ ..ومجموعة تدور موضوعاتها عن أجسام في حالة سكون .. طبيعة صامتة .. وجوه .. أشخاص .. الخ ..والعامل المشترك بين هاتين المجموعتين هو وجود عنصر إيقاعي هو العنصر المحوري في الصورة مع وجود عنصر/عناصر إيقاعية ثانوية أو مضادة.
كمثال من المجموعة الأولى إذا نظرنا إلى لوحه الطفل على الحصان الخشبي في لعبة الساقية الدوارة (المطبوعة على إعلان المعرض) نجد أن العنصر الرئيسي هو الطفل/الحصان في حاله حركه اتجاهها من يسار اللوحة إلى يمينها.
الخطوط الرأسية المتتابعة تخلق إيقاع القرار الذي يتحرك عبرة الطفل والحصان وتم تأكيد الحركة بالاستطالة في وجهي الطفل والحصان في اتجاه الحركة و تم خلق طبقه حركيه ثانيه من تضاد لون الحصان الأمامي (أزرق . بارد) مع الخلفي (أحمر . ساخن).
وكمثال من المجموعة الثانية إذا نظرنا إلى لوحه ثلاث وردات في بللورة على خلفيه سوداء (المطبوعة في كتالوج المعرض) سنلاحظ في العنصر الرئيسي الورود/البللورة وجود حركه حلزونية تبدأ من البللورة ثم تنتقل إلى أوراق الورود وتصل قمتها إلى الوردات الثلاث ويساعد الانبعاج الموجود في هذه العناصر على تأكيد اتجاه الحركة وانتقالها من جزء إلى آخر.
وترتكز هذه الوحدة على سطح ساكن نسبيا مكون من خط أفقي وخطوط محوريه .. ويمثل اللون الأسود لخلفية الصورة المنطقة الأكثر سكونا مما يعطى حيوية أكثر لمجموعتي الحركة سالفتى الذكر.
وأعتقد أنه يمكن استعمال هذه المنهجية للتعرف على العنصر الرئيسي في العمل والعنصر/العناصر المساعدة (أى المجموعات الحركية) لإدراك البعد الزمني/الحركي في معظم لوحات هذا المعرض.
خلاصة القول أن مرور الزمن يغير الأشياء ولكن ليس بنفس الوتيرة، ويخلق هذا في الوجود إيقاعات شتى يجمعها نظام علوي واحد ويتلقى الفنان شذرة من هذا ويحولها عبر خلفيته الثقافية ومزاجه الانفعالي باستعمال الأدوات المتاحة له إلى عمل فني ..ثم يأتي دور المشاهد والذي يلعب الوعي والإدراك الذاتي الخاص به عنصر حاسم في فهم محتوى العمل الفني.

سمير فؤاد
مارس 2006


* معرض "إيقاع الزمن" من 19 مارس حتى 14 أبريل 2006 - قاعة بيكاسو: 3 ش حسن عاصم من ش البرازيل، الزمالك - ت: 7367544

٢٥ فبراير ٢٠٠٦

صورٌ تَحْكِي

أحب الصور. كل الصور .

أحب الصور التي تأخذني إلى أماكن لم أزرها، وأحب الصور التي تنقل لي شعور من التقطته العدسة في لحظة معينة...وأكثر من كل ذلك أحب الصور التي تحكي لي ما يحس به المصور في لحظة التصوير.

أحب الحَكْي جداً.

أحب الحكي والحكواتية والحكايات. الحقيقية منها والمؤلفة. أكثر حكاية أستمتع بها هي تلك التي يحكيها صاحبها وعيناه لا تفارقان من يحكي له، يستقي من عينيه الأحداث ويُلبِس شخصيات القصة رداء يناسب الجو العام في لحظة الحكي، يضبط إيقاع الأحداث حسب تجاوب المتلقي.

أحب الصور وحكايات الصور.

جلس خالد الخميسي في غرفة معيشتنا يفرجنا على صور "مروي" ويحكي لنا عن تلك الحضارة العظيمة التي ازدهرت ما بين القرن الخامس ق.م والقرن الرابع م. شمال الشلال السادس في السودان. سلك خالد للوصول إلى مروي نفس الطريق الذي سلكه قبله بنحو مائتي عام الفرنسي "فردريك كايو" أول من أرخ لهذه الحضارة. بدأ طريقه من واحة سيوة إلى البحرية ثم الفرافرة، ومنها إلى الداخلة، ومرورا بالخارجة، وصولا إلى وادي النيل، وانتهاءً بالخرطوم ومن هناك قطع حوالي ثلاثمائة كيلومتر حتى بلغ مروي ... إحدى أجمل بقاع الأرض.

الطريق إلى مروي - خالد الخميسيالطريق إلى مروي - خالد الخميسي

لن أفسد عليكم قصة لا تروى إلا بمصاحبة الصور. خالد الخميسي سيعرض صوره ويحكي عنها في ساقية الصاوي قريباً:

الطريق إلى مروي - خالد الخميسي

٠٧ فبراير ٢٠٠٦

كوبونات - حسام فخر

قصة قصيرة لم تنشر من قبل

تدخل عليّ ابنتي متهللة وتقول:
- صنعت لك بيديّ هدية..
تمد كفها الصغير بدفتر يحمل على غلافه كلمة "كوبونات" بخطها الطفولي الساذج المبتدئ ..أفر صفحاته فأرى:

هذا الكوبون خاص بأبي وحده وممنوع أن يستخدمه غيره
الصلاحية: صالح للاستخدام 24 ساعة يومياً سبعة أيام في الأسبوع طول العمر
القيمة: قبلات كثيرة جداً

أقلب الصفحة وأجد:

هذا الكوبون خاص بأبي وحده وممنوع أن يستخدمه غيره
الصلاحية: صالح للاستخدام 24 ساعة يومياً سبعة أيام في الأسبوع طول العمر
القيمة: أحضان بلا عدد كلما أرادها

وفي الصفحة التالية:

هذا الكوبون خاص بأبي وحده وممنوع أن يستخدمه غيره
الصلاحية: صالح للاستخدام ساعات الصباح يومياً سبعة أيام في الأسبوع طول العمر
القيمة: فنجان قهوة في السرير مع الجريدة

أستمر في تقليب الصفحات.. عشرات الكوبونات المكتوبة بخطها الطفولي الساذج المبتدئ تزين حوافها سلاسل من القلوب الوردية.. كلها خاص بي وحدي وممنوع أن يستخدمه غيري.. تعدني بالنوم في حضني، و بمساعدتي في وضع ملابسي في الدولاب، وبتصفيف ما تبقى من شعري، وبمسح دموعي إذا ما سالت رغماً عنّي أمامها، وبإعادة طبقي بعد العشاء إلى المطبخ، وبالسير معي على شاطئ البحر لو سمحت ظروف عملي أن نذهب إليه، وبإطفاء التلفزيون عندما ينقل صور الصواريخ تنسف الأعراس في القرى البعيدة، وبغسيل أسنانها كل يوم صباحاً ومساءً، وبرسم أي عدد أطلبه من الشموس الذهبية المتوهجة لأنظر إليها في أيام الضباب الرمادية التي تخنقني..

ابنتي جميلة وحنونة ومعطاء…وأمريكية..

____________________
© 2006 حسام فخر
القصة منشورة بتصريح من الكاتب.
للكاتب مجموعتين قصصيتين بعنوان "أم الشعور" و"ووجوه نيو يورك" ورواية تحت الطبع بعنوان "يا عزيز عيني"

٠٨ يناير ٢٠٠٦

العودة

في نهاية يوم طويل من العمل، لا أتمنى سوى أن أغلق عيني وأفتحهما فأجدني في المنزل. يُثقل قلبي مجرد التفكير في زحام الطريق وعنف سائقي الميكروباص ونفاذ صبر سائقي الأجرة والملاكي والضجر على وجوه المارَّة.. تثقله أكثر رائحة العادم والضوضاء ... وأظل أغوص في دوامة الهموم حتى تأخذني إلى القاع، حيث تسبح طفلة صغيرة في غلالة من دموعها. تشتعل عيناها بحمرة الغيظ وتتسارع أنفاسها من الغضب، تنتظر أقرب وأضعف فريسة لتنقض عليها بطلقات نارية متلاحقة تخرج من فمها في وجه العالم! فأمطر سائق التاكسي والميكروباص وشرطي المرور بوابل من السباب واللعنات وأدعو من أعماق قلبي على حكامنا وحكام حكامنا وعلى إعلانات الكوكاكولا التي تحتل نصف الشارع... أنظر بجانبي بحثا عن شيء ينتشلني من دوامتي فأرى رجالا ونساءً وأطفالا متكدسين في الأوتوبيس العام فأشيح بوجهي بعيدا خجلا من همومي وهمومهم.

بالأمس توقفت بالسيارة في إشارة مرور حديقة الحيوان بالجيزة، صدري يتمزق من شدة السعال ورائحة فضلات الحيوانات تصيبني بالغثيان. لكني خوفاً من النزول مرة أخرى لتلك الفتاة المعذبة الشرسة التي أهلكتني وأهلكتها، جلست خلف عجلة القيادة في هدوء أنتظر الفرج وأخذت نفسا عميقا ورفعت رأسي إلى أعلى أبحث عن سماء الغروب، فوجدت فيها ما لم أكن أعلم أنني أبحث عنه...

رأيت سربا هائلا من طيور بيضاء يحوم فوق السيارات، متنقلاً بين الأشجار على رصيفي الشارع الواسع. تهب الطيور معاً مثل أمواج البحر المتلاحقة ثم تنساب في هدوء وتتفرق.. ثم ما تلبث أن تتجمع وتحط على الأشجار مرة أخرى. فتبدو الأشجار، التي تساقطت أوراقها في الخريف، وكأنما أثمرت طيورا.

تقف هكذا في هدوء وسط ضجيج أبواق السيارات وصفارات شرطيي المرور. أجسامها البيضاء تكسر حدة سواد الأشجار ورمادية الشارع وحمرة الشمس الغاربة.

تعجبت حقا من تلك الطيور ذات الأجنحة القوية الواسعة.... لماذا لا تهاجر؟! لماذا لا تترك الضوضاء والتلوث وتذهب إلى أماكن أخرى أكثر هدوءا وأقل ازدحاماً؟

لم أجد إجابة ولكني واصلت القيادة، وعندما اقتربت من منزلي شعرت بان طريق العودة اليوم كان أقصر من المعتاد. وفي طريقي لمدخل العمارة لاحظت لأول مرة أنه أسفل منزلنا تكعيبة عنب.





تصوير: عمرو
مزيد من الصور
هنا