١٣ ديسمبر ٢٠٠٥

مبروك عليَّ وعلى حواليَّ

تتوجه مؤسسة الوردة السمسومية إلى السيد الفاضل عَمّور حبيبي بجزيل الشكر على مفاجأته لنا بإنهائه تصميما جديدا لموقعنا.


كما نود أن ننوَّه بأن الوردة التي اختارها السيد عمور ووضعها على زاوية الصفحة، أسعدتنا جدا لعدة أسباب، أولاً: لكونها مأخوذة من رسومات رواية "الأمير الصغير" للعبقري أنطوان دو سانت إكزوبري والتي يعلم السيد عمور مدي حبنا لها، وثانياً: لأهمية ودلالة تلك الوردة الصغيرة في عالمنا الخاص.


نعتذر عن الطابع الرسمي لهذا الخطاب حيث أن ما غير ذلك من أساليب متاحة للتعبير عن السعادة والحب والامتنان لا يمكن استخدامها هنا لأسباب تقنية بحتة.

١٢ ديسمبر ٢٠٠٥

إلحقيني ياااا ماااااا - أكرم خان أكلنا البالوظة في الأوبرا


من أسبوعين والدنيا قامت وما قعدتش. كل ما أقابل حد يقول لي: أكرم خان وعرضه العبقري " ما " في الأوبرا يوم 11 و 12 ديسمبر. وكان آخر تلك المواقف عندما ذكَّرنا مدير المجلس الثقافي البريطاني في اجتماع معه بأهمية حضور هذا العرض: "إنه من أهم العروض التي قدمت في بريطاني خلال العشر سنوات الماضية!"

أنا قلت طبعا مش ح أفوِته!
وانا قاعدة في الربع ساعة الأولى من العرض باحاول أكتم الضحك وأكدّب نفسي وأفهم أي حاجة من اللي بيحصل ع المسرح إكتشفت اكتشاف بدا لي عبقري في تلك اللحظة: أكيد ربنا لما قعد يفكر في أشد طرق عقاب الإنسان وضع على رأس القائمة "الضحك". ما هو أكيد ربنا كان بيعاقبني على حاجة منيلة عملتها عشان يخليني أضحك كل الضحك الهستيري ده وبالصوت العالي ده، بينما القاعة كلها هُس هُس في لحظة من العرض المفروض انها تكون مؤثرة!
تخيلت الضحك شيطان جبار لا يُقهر ماسكني وعمال يزغزغ فيّ بعنف مؤلم! ومش بس كده .. ده شيطان معدي بيتنطط من شخص لشخص برشاقة الراقصين اللي على المسرح ويخليك مش عارف تلوم مين على استمرار هذا الموقف المحرج. أنا أجمع قواي كلها وأغمض عينيَ وأسِد ودني وأفكر كل الأفكار الوحشة اللي في الدنيا عشان أسكت وأبطل ضحك وأول ما أسكت ألاقي عمرو راح منفجر على يميني ورحاب بتفتعل الكحّة على شمالي وأقارب وأصدقاء في آخر الصف ح يموتوا فطيس من كتر كتم الضحك.

ما حدش يحاول يقنعني إن فيه حاجة في الدنيا محرجة أكتر من إن الواحد يضحك على حاجة المفروض ما تضحكش بينما كل الناس منصتين في خشوع سواء في عزاء أحد الأقارب أو في عرض راقص غير مفهوم. هيَّ لحظة واحدة بس.. لحظة ما تحس بغليان الضحك المكتوم يتصاعد بداخل مَن يجلس بجانبك أو عينك تيجي سريعا في عين حد من اللي - ياعيني زيّك - مبليين بهذا المرض اللعين. ساعتها إبقى قابلني لو عرفت تسيطر على نفسك. هي دي لحظة فقدان السيطرة التام اللي بيتحول فيه جسدك بأكمله إلى قرون استشعار تشم ريحة الضحك من على أي بعد.. حتى لو كان لسه مكتوم جوّه شخص قاعد بعيد عنك. ح تحس بيه وح تنفجر وتفجره معاك.

سيبنا بقى من كل ده ، أتكلم شوية عن العرض اللي مكسر الدنيا في انجلترا وأوربا. كل اللي أقدر أقوله –على رأي رحاب- إنه كان فيه شجرة! فكرني بقصة الإمبراطور اللي مشي في الشارع عريان وفاكر نفسه لابس ملابس جميلة ما يشوفهاش غير الناس الكويسين وطلع في الآخر مضحوك عليه ولا هو لابس حاجة ولا الناس شايفة حاجة وكله بيمثل على كله عشان ميطلعش "وحش".

العرض ممل جدا ومافيهوش أي حاجة جديدة ورتابته وطوله يجيبوا صداع. الراقصين بارعين والإضاءة عبقرية وكل جانب من جوانب العرض حلو جدا لوحده لكن كله على بعضه ما يدخلش ذمتي بنكلة. رقص حديث على عيني وعلى راسي بس يبقى له معنى! بلاش معنى.. يبقى فيه أي حاجة تخليني أستمتع بيه.. مش أسقف عشان الناس بتسقف وخلاص.

وسمعني بصوت نبيلة السيد في خلِّي بالك من زوزو "ع البساطة البساااطة.. يا عيني ع الباااساااطة.. أهْ! أهْ! أهْ!"

٠٩ ديسمبر ٢٠٠٥

الكاتب والمكتوب


خطوات تطبيقية مبسطة للمبتدئين ممن يريدون امتهان الكتابة


هناك بالطبع عدة طرق للكتابة، ولن نتمكن هنا من تغطيتها كلها. لذا فقد تقرر اختيار أحد الأساليب التي أثبتت صلاحيتها وتفكيكها ثم وضعها في خطوات متتالية مع رسم نص اعتباري كمثال يطبق مع كل خطوة كما يلي:

أولاً: الأدوات وخطوات استخدامها:
  1. افتح صفحة بيضاء نظيفة وامسك بيدك الأضعف – سواء كانت اليمنى أو اليسرى- قلما أزرق. (يفضل أن يكون القلم ذو رأس مدبب رفيع وحاد ولا ينكسر بسهولة)

  2. بيدك الثانية الأقوى انتشل أي شخص يقف بالقرب منك وابطح رأسه على الصفحة البيضاء بضربة سريعة وبكل ما فيك من عزم. (بهذه الطريقة تكون ضربت عصفورين بحجر: أولا ضمنت غيابه عن الوعي ليَسهُل استخدامه فيما بعد، وثانيا إن كانت الضربة قوية حقا – وهذا شيءٌ يأتي بالممارسة فلا تيأس – سيطبع الرأس شوائبه على الصفحة البيضاء ليضفي لوناً طبيعياً على الخلفية مما يزود النص بفروق تقابلية بين رأس الكاتب ورأس ’المكتوب‘.
ثانياً: النص:

تكوين النص ، ببساطة شديدة، يتم عن طريق تجميع عناصر متفرقة وربطها ببعضها البعض. لذا يُنصح – لتسهيل المهمة – بأن يكون مصدر العناصر واحد. فإن أخذنا بالمثال السابق يكون ’المصدر‘ بالطبع هو الشخص الذي أغبناه عن الوعي.

ثالثاً: كيفية إيجاد أو خلق عناصر النص
  1. المصدر موجود! لكن الرَك بقى على الشطارة في استخراج ما يصلح منه كمادة لنص مبهر. هذا هو الفرق بين الكاتب الحقيقي والكاتب النص لبة.

  2. بما إن ’المصدر‘ غائب عن الوعي يمكنك أن تشكله كيفما شئت. تبدأ مثلا بخلع جلبابه وعمامته وتأخذ من يده الربابة -ومعها بالطبع الحكايات- ثم تلبسه جينز وكاب وتضع في يده كتاب "Da Vinci Code" أو "Alchemist" شرطاً أن يكون باللغة الإنجليزية.

  3. هاهي الشخصية تتجسد أمامك وتتضح معالمها. لا تنتظر وتضيع وقتك في تأملها وتقليبها يمينا ويسارا. يجب أن تسرع بإفاقة ’المكتوب‘ لكي تستخلص منه الأحداث! (أنظر رابعاً - شرح استخلاص الأحداث)

  4. لإفاقة ’المكتوب/المصدر‘ استخدم الأساليب المتعارف عليها كتلطيشه بالأقلام على وشه أو شد أذنه ، لكن الطريقة الأمثل هي دلق جردل ميه ساقعة على دماغه ثم وضعه أمام المرآة ... وسيبه بقى يتخضْ ويهلفط ويطلع الكلاكيع اللي جواه... سيبه يدافع عن جينزه وكابه وباولو كويلهُه ويقول لك بالعربي الفصيح "أنا لست عربياً! أنا مصريييي!"... ولا تجادله. إتركه حتى يأتي ممثل الكومبارس أبو شعر أصفر ليطعنه في ظهره بسكينة تلمة. سجل صوت ال "آآآآآآآآه" التي يطلقها ’المكتوب‘ لكي تستعين بها في لحظات عدم القدرة على الكتابة.
رابعاً: الأحداث وكيفية استخلاصها من المصدر

الحدث في الكتابة ’ما بعد الحداثية‘ غير مهم. المهم هو ظهور حروف متشابكة على الصفحة تعطي انطباعاً أن هناك نصا موجودا. لذا فعندما نذكر الحدث في النقاط التالية تذكر أننا نعني به مجرد "حشو كلام".
  1. اجري بسرعة نحو جثة ’المكتوب/المصدر‘ ولا تنس الورقة والقلم على المكتب! ضع الورقة أسفل جثته واترك دمه يسيل عليها حتى يغرقها تماما بحمرته الداكنة.

  2. هنا تأتي المهمة الأصعب التي تميز الكاتب العبقري عن غيره. بعد أن تترك الورقة لتجف تماما يجب أن تضعها أمامك وتسترجع جميع الخطوات المذكورة سابقا وتسأل نفسك عن هوية ’المصدر‘ وماهيته ومصداقية الموضوع وجدوى الكتابة. يجب عليك أن تملأ الصفحة بعلامات استفهام تشكل الحدث – أي حشو الكلام – لكي يكتمل ’المكتوب‘. (لا تنس أن تقوم بتشغيل تسجيل "الآآآآآه" التي أطلقها ’المصدر‘ في الخلفية، كنوع من أنواع الموسيقى التصويرية وتحفيزا للإلهام)

لعلك تتساءل الآن: "وكيف تُكتب كل هذه الأسئلة على صفحة حمراء داكنة بقلم أزرق داكن؟". لاهو انت فاكر يا حلو ان القلم اللي حطيناه في إيدك ح تستخدمه في الكتابة؟!

لقد وضعنا القلم في يدك الأضعف ليصبح معك سلاحاً تطعن نفسك به عندما تعجز عن الكتابة.

٠٧ ديسمبر ٢٠٠٥

حازم شاهين - *بيغَني مصر بشوق ونحيب


بقالي أسبوع باحاول أكتب عنه ومش عارفة...
يمكن علشان اللي يتكلم عن حازم لازم يكون بيعرف يتكلم بالمزيكا؟
حازم كمان مش بيتكلم كتير.. لكن أول ما يمسك العود شكله بيتغير.. ماعرفش ازاي. زَي ما يكون وِشّه بيطمئن إنه من اللحظة دي مش مطلوب منه يتكلم.. مش محتاج يدخل في حوارات ويتناقش ويقول رأيه، أو يبتسم وهوَّ قلبه واجعه، أو يرحب بالموجودين.

أنا بس عايزة أقول له – ويا رب أعرف أقول – إن مافيش كلام دلوقتي أحلى من اللي بيقوله وهوَّ بيعزف ويغني يا مصر قومي وشِدي الحيل.

أنا آسفة إني ماعرفتش أحكي عن حازم وعن حكايته مع المزيكا وحكاية المزيكا معاه, يمكن لإن اللي بتقوله المزيكا اللي من القلب مش ممكن يقوله الكلام.
أكيد حيجي يوم وتسمعوه وتفهموا قصدي...
* العنوان من قصيدة لأمين حداد بعنوان "سويتش"- ديوان حلاوة الروح

٢٧ نوفمبر ٢٠٠٥

طنط لبيبة.. الحبيبة

كنت أكره الاستيقاظ من النوم للذهاب إلى المدرسة، ليس لنفس الأسباب التي يعاني منها معظم الأطفال من الكسل أو عدم الرغبة في الذهاب إلى المدرسة ولكن لأنني كنت أصحو وحدي على صوت المنبه النشاز في بيت خال من أي حركة لا تدخله حتى الشمس لتؤنس وحدتي وأنا أغسل أسناني وأحدق في المرآة بلا مبالاة وضجر. لم ينتظرني كيس وُضعت فيه السندوتشات ولا زمزمية مملوءة بعصير البرتقال كباقي زميلاتي في المدرسة. لم تكن أمي تأتي معي لننتظر سويا أتوبيس المدرسة وندفئ أيدينا في أيدي بعض. لم تكن حتى تودعني قبل خروجي. فألفت الصوت المزعج لإغلاق باب الشقة وصرت أحبه كأنما كان هذا الصوت يعوضني عن جملة "مع السلامة يا حبيبتي .. خلي بالك من نفسك وماتنسيش تاكلي السندوتشات"

كل هذا تغير عندما تعرفت على فاطمة. جاء التعارف سلسا وسريعا. فمنذ أول يوم رأيتها تقف على الرصيف في انتظار الأوتوبيس ذهبت وتحدثت إليها وصرنا أصدقاء. علمت أنها تسكن تحتنا بثلاثة أدوار فصرت أمر عليها كل صباح لننزل سوياً مع أمها لانتظار "الباص".كانت أمها تودعنا بقولها "في حفظ الله يا نور عيني" ومن هنا جاء عشقي لكلمة "نور عيني" وصرت دائما أبتسم عند سماعها.

كانت فاطمة تشاركني سندوتشاتها وبسكوتاتها وعصائرها وكل ما كانت تشتهي نفسي... ولعل أمها لاحظت ذلك فصارت تحضر لي كيسا فيه نفس محتويات كيس ابنتها: 2 سندويتش + بسكوت ويفر محشو بالشوكولاتة - كان يذهب عقلي من جماله + علبة عصير وفي بعض الأحيان ثمرة فاكهة حسب الموسم.

فاطمأنت معدتي وفرح قلبي وظننت أن كل أحلامي قد تحققت وأنه لا سعادة تفوق تلك التي أضفتها طنط لبيبة إلى حياتي بكيس السندوتشات وأجمل ما في اللغة من كلمات حب ودفء.

كل هذا كان مجرد مدخل إلى العالم الوردي الذي وجدت نفسي فيه منذ أن سُمح لي أن أقضي فترة بعد الظهيرة أيضا في أحضان تلك العائلة الخيالية. نعم.. أقول خيالية لأنني حتى الآن لا أستطيع أن أصدق أنها كانت موجودة بالفعل بالرغم من وجود كثير من الصور والذكريات تثبت ذلك.

دعوني أحاول أن أوصف.. ربما استطاعت ذاكرتي أن تستعيد تلك الأيام التي قضيتها في الرسم واللعب والغناء والرقص والتحليق في فضاء جنة الأطفال كما يجب أن تكون.

كانت الحبيبة تفرش لنا الأرض بمشمع قديم وتكسوه بتلال من الأوراق البيضاء وكل أنواع الألوان والفرش والمقصات واللاصق وتتركنا لنفعل ما نشاء لساعات طويلة لم نشعر بمرورها قط. وكنا نخرج من تلك الغرفة ملطخين بالألوان من ساسنا لراسنا فتحملنا كالقطط الصغيرة بأطراف أصابعها لتلقينا في البانيو! في بعض الأحيان كانت تأتي لتعلمنا طريقة جديدة في التلوين أو التشكيل أو صنع حيوانات صغيرة من الورق، وأكثر لعبة بهرتني في تلك الفترة كانت الطباعة بالبطاطس. علمتنا كيف نقطع البطاطساية نصفين ثم ننحتها بسكين بأي شكل لتتكون صورة بارزة ثم نغمسها في الألوان ونطبعها على الورق مثل الأختام. لا أعرف لماذا استهوتني تلك اللعبة.. ربما لأنها كانت أكثرهم "لغوصة" حيث كان ينتهي الأمر بأن أصابعنا هي التي كانت تصبغ بالألوان ونستخدمها في تلطيخ ملابسنا بسعادة شيطانية، أو ربما لأنني أحب رائحة البطاطس النيئة. وجدت في نفسي في تلك الأيام كل المواهب... الرسم والغناء والرقص.. والكلام.

أدركت الآن أن كثير من الأشياء التي أحبها تعلمتها في هذا البيت... أولها مثلا الأفلام الموسيقية الاستعراضية "الميوزيكال" مثل "ماري بوبنز" و"صوت الموسيقى" و"آني" وأفلام الكارتون الكلاسيكية مثل "سيندريلا" والجميلة النائمة" و"سنو وايت والأقزام السبعة"... كنا أنا وفاطمة نحفظ الأغاني عن ظهر قلب ونذهب لنستعرضها على باقي الأطفال في المدرسة. تعلمت في هذا البيت أن الصوت العالي لا يُعَلِم شيئا ولا يربي طفلا وتعلمت أن الأطفال لن يموتوا من الجوع إن حرموا من الغذاء لقلة أدبهم أو رفضهم تناول نوع معين من الخضار وأن الذين يموتون من الجوع فعلا ويمرضون هم أطفال لا يتوفر لهم الطعام... تعلمت أن الابتسامة على وجه الأم لا يجب أن تؤخذ أمرا مسلما به بل هي رفاهية لمن عايشها وهي بالتالي نعمة يجب تقديرها...

افتقدتها كثيرا عندما عزلوا إلى منزل آخر وفقدنا الاتصال لكنني كل يوم أتذكرها وأبتسم عندما أمر بشقتهم أثناء نزولي للذهاب إلى عملي. ومازلت أذكر طريقة الطباعة والتلوين بالبطاطس وأنوي تعليمها لأولادي... لكنني مع الأسف لم أعد أرسم ولا أغني ولا أرقص.. وقلما تكلمت.

٢٠ نوفمبر ٢٠٠٥

مقال لجلال أمين أعجبني جدا

ستة عشر سبباً للشك في نظرية الإرهاب
ثمة أمران لا شك في صحتهما: الأول، أن كل الحوادث التي وقعت في السنوات الأخيرة واطلق عليها لفظ «الإرهاب» من تفجيرات لندن الى مدريد الى نيويورك وواشنطن... الخ، هي أحداث كريهة للغاية، وباعثة لأشد الحزن والاستياء، ولا يمكن الدفاع عنها أو تبريرها بأي عذر من الأعذار.

والأمر الثاني، ان هناك نظرية كاملة ومنتشرة أوسع انتشار في مختلف أنحاء العالم حول هذه الأحداث، يرددها السياسيون والكتّاب ووسائل الإعلام، ليل نهار، من دون انقطاع، وتشمل تحديد المتهم وديانته وبواعثه على ارتكاب هذه الجرائم، المتهم هو اسامة بن لادن وأعوانه، ومنظمتهم تسمى «القاعدة» وديانتهم الإسلام وبواعثهم متعددة، منها الانتقام مما يقوم به الغرب، وبالذات الولايات المتحدة، من أعمال عدوانية ضد العرب والمسلمين، خصوصاًَ في العراق وفلسطين. ومنها الحقد والكراهية اللذان يفسران بدورهما بتفسيرات مختلفة، فيشار أحياناً الى أن هناك مبادئ في الدين الإسلامي تحض على الحقد والكراهية، ويشار أحياناً الى حقد الفقراء في بلاد العرب والمسلمين على الأغنياء في بلاد الغرب، وأحياناً الى كراهية الاباحية الجنسية في الغرب، وأحياناً الى كراهية شيء غامض يطلق عليه «نمط الحياة الغربي أو الأميركي»، وأحياناً يشار الى الرغبة في تطبيق الشريعة الإسلامية من دون توضيح أين يراد تطبيقها بالضبط وكيفية تنفيذ ذلك... الخ.

النظرية إذاً جاهزة وكاملة، ولكنها رغم انتشارها الواسع، لم تفلح في اقناعي، ولا زلت أجد صعوبة بالغة في ابتلاعها، بل انني لاحظت على كثيرين من معارفي درجة مماثلة من النفور منها وعدم الاستعداد لتصديقها، وإن لمست هذا النفور وعدم التصديق في الكلام المباشر وجهاً لوجه، أكثر بكثير مما لمسته في الكتابات المنشورة أو في تعليقات التلفزيون أو الراديو. التصديق رسمي وعام، ويقال على الملأ بثقة وحسم، وعدم التصديق خاص وشخصي، ويقال بحذر وتردد، بل وبيأس من أن يقبله الآخرون.

فكرت في أن أجلس وأكتب باختصار كل الأسباب التي تجعلني اشك في النظرية السائدة، ولنسمها «نظرية الإرهاب»، على أمل أن يؤدي وضع هذه الأسباب جنباً الى جنب، الى القاء ضوء أقوى بكثير مما يلقيه كل سبب إذا ذكر على حدة، بل وقد يؤدي ذلك الى تقوية قلوب غير المصدقين، وتدعيم موقفهم، بل ومن يدري قد يؤدي الى توجيه الأذهان في اتجاهات أخرى للبحث عن تفسيرات أخرى لما حدث، مختلفة تماماً عن التفسيرات السائدة وهو يؤدي الى توجيه اصبع الاتهام الى متهمين من نوع مختلف تماماً.
إقرأ الستة العشر سبب هنا