١٧ يوليو ٢٠٠٥

بنات زينب



في الطريق إلى هناك أخبرتني عمتي أن اسم هذه القرية كان في الأصل "ألفا قوس" (أي 2000 قوس) ثم تحول على مر الزمن إلى "فقّوس". لم تشرح لي علاقة المكان بالأقواس أو عددها ولم أسأل، لكنني انبهرت من فكرة وجود أصول ذات معنى لأسماء الأماكن، ومكثت طوال الطريق أفكر في أصول الأشياء وأسمائها.

أعجبني أيضاً اختلاف النطق بيننا نحن القاهريين وبين أهل القرية الذين كانوا ينطقونها "فجّوس" بينما ننطقها نحن "فأّوس". ارتبطت الكلمة في ذهني ببيضات دجاجات عمتي خديجة وبطها "المستكوفي" الذي كانت تفتخر به والذي سكن عشة فسيحة طالما جلست بداخلها منتظرة أن أرى البيض وهو يفقس كتاكيت، وهكذا أصبح ذكر "فقوس" مقترناً في عقلي بحظيرة منخفضة الضوء ذات رائحة كريهة تحتضن في أركانها أملاً في الحياة : البيض وهو يفقس الكتاكيت.

هل كان صباح عيد الأضحى أم عيد الفطر حينما جلست مع بنات القرية تحت تكعيبة العنب أتأمل جلابيبهن زاهية الألوان وأشعر بالضآلة والقبح في قميص نومي الطفولي القصير المزدحم بالدببة الصغيرة وعبارة "تصبح على خير" بكل اللغات ما عدا العربية؟

كانت الحاجّة زينب تأتي إلى بيتنا كل يوم لتساعد عمتي في تنظيف المنزل وإعداد الطعام وتحضر بناتها الخمس معها ليساعدنها. أحببتهن جميعاً لكن بهيجة كانت أقربهن إلى قلبي، وجهها مبتسم تشريحياً وعيناها عسليتان مليئتين بالدفء. كانت أطولنا وأكبرنا سناً، طالما حاولت أن أجدل شعري الخفيف مثلها لكن ضفيرتها الكثيفة المتماسكة لم يكن لها مثيل.

كنت أنتظر البنات كل يوم بفارغ الصبر حتى ينتهين من المهام المنزلية لكي ننطلق إلى الحديقة ونغرق في اللعب. ما عدا في العيد... لم أضطر أن أنتظر، فاللعب كان يبدأ مع شروق الشمس ولا يطلب الكبار من الأطفال شيئا غير أن يتركوا المنزل ويلعبوا بعيداً حتى تنتهي السيدات من تحضير الغذاء.

تجمعنا تحت تكعيبة العنب نتحسر على مخزون البُمْب الذي نفذ وزاد من كآبتي أن البنات لا يردن اللعب في الطين حتى لا تتسخ الملابس الجديدة، فجلسنا أنا وبهيجة نبحث عن طريقة ننقذ بها يوم العيد....

قالت عزيزة:

- نروح البلد نجيب بمب!


صرخت بهيجة في وجهها وبرطمت بكلمات لم ألتقط منها إلا جملة "جاك شلل في فم المعدة!!!" وأدركت دون أن أفهم معنى الكلمات بالضبط أنها سبة فتدخلت لأهدئ النفوس:

- فهموني بس...إيه المشكلة لما نجيب بمب؟ هي البلد بعيدة؟؟

فردت محاولة التحدث بلهجتي القاهرية

- لأ ما بعيداش بس احنا بنات لوحدينا!

وهنا "نقح" علي العرق الثوري وحضرت أرواح جداتي وقلن بصوت واحد على لساني:

- و إيه يعني؟؟!! احنا بميت راجل ونقدر ناخد بالنا من نفسنا ، إحنا مش صغيرين! أنا ح اتم اتناشر سنة كمان سبع شهور!

لم أتح لأحد فرصة للجدال وتوجهت نحو باب الحديقة فسرن خلفي.

ذهبنا إلى "البلد" واشترينا البمب والملبس ثم عدنا إلى المنزل بسلام لم يدم كثيراً، فعندما دخلنا وجدنا وجه عمتي محتقنا وصرخت في وجوهنا:

- أنا قلبي وقف!!! إزاي تخرجي من غير ما تقولي؟إنت لسه صغيرة! كان ممكن تتوهي ولاّ تتخطفي!! وانتوا بقى لكم معايا حساب تاني!!

بدأت البنات في البكاء ووقفت أنا شامخة متحدية أدافع عن حقوق المرأة وحق الأطفال – الآخرين طبعاً مش أنا- في الحصول على البمب يوم العيد... وجاءني صوت زوج عمي من الداخل ليزدني قوة وثقة بالنفس...

- فيه إيه؟!! إيه الزعيق ده كله؟! ما تنكديش ع العيال يوم العيد! خلاص ماجراش حاجة ، ماهي رجعت بالسلامة وبعدين كان معاها بنات زينب وهم عارفين البلد كويس..

وقبل أن ينتهي من الجملة كان قد وصل إلى باب غرفته ورأنا مصطفات أمام عمتي وفي لمح البصر اختفت النظرة الحانية من عينيه وأكاد أجزم أنني رأيت شراراً حقيقياً يخرج منهما!

- إنتي خرجتي كده؟
- كده ازاي يعني؟
- نزلتي السوق بقميص النوم ده؟؟! إنتي فاكرة نفسك عيلة صغيرة؟؟!

(وبعدين بقى... صغيرة ولاّ مش صغيرة!؟ ما ترسوا على حل... وبعدين ايه علاقة ده بقميص النوم..)

- وفيها ايه يعني؟ ماله قميص النوم؟؟!!

- فيها ايه؟! طيب تعالوا بقى!

ودخل غرفته وأحضر "عصاية" لم أكن قد رأيتها من قبل وعلا صراخ البنات ولا أتذكر شيئاً بعد ذلك غير صوت "العصاية" في الهواء ثم على جسدي.

عرفت فيما بعد أن اسمها الملعون هو "الخرزانة" وظللت أكرهها ولا أطيق سيرتها طوال حياتي.

وفي تلك الليلة سمعت من خلف باب حجرتي - التي حكم علي بالحبس فيها حتى نهاية اليوم- كلمات جديدة على مسامعي وجمل ظلت تؤرقني طوال سنوات مراهقتي: "البنت كبرت وجسمها اتدور بس لسه مخها صغير... اللي يشوفها يفتكرها عندها 17 سنة... ربنا ستر... البنات دول هم!"

أما قميص النوم فرميته في سلة المهملات! ومنذ ذلك اليوم لم تعرف الفساتين والجونلات طريقاً لدولابي لفترة طويلة، وكنت أتأمل فاترينات الملابس الداخلية سرأً وفي حرصٍ حتى لا يدرك أحد أنني في بعض الأحيان أحن إلى أنوثة دفنتها وهي في طور التكوين.

***

منذ عدة أيام ذهبت مع زوجي لزيارة عمتي. تذكرنا طفولتي بأحداثها المضحكة المؤلمة ... تذكرنا رفضي أن أعامل كطفلة ورفضي للسيطرة من أي نوع وفرض آرائي على بقية الأطفال ومشكلة شهيتي المفتوحة دائما و شعري المقصوص كالأولاد ... ومن ضمن ما تذكرنا واقعة الخرزانة الشهيرة فضحكنا وعاتبت عمي مشاكسة:

كانت حتة علقة! مانساهاش! أنا يا عمو تضربني؟؟ وبالخرزانة كمان؟! ده انا حتى ماكنتش اعرف إسمها لحد اليوم ده!

كف عمو عن الضحك وظل يؤكد لي أنه لم يضربني "أنا كنت بارزع الخرزانة جنبك بس لكن ما ضربتكيش "

- ........

- طيب وبهيجة؟ وبقية البنات؟

- ضربتهم طبعاً عشان أخوفك وعشان بهيجة أكبر منك وكانت عارفة انك مايصحش تنزلي البلد بقميص نوم عامل كده!

- إنت متأكد انك ما ضربتنيش خالص يا عمو؟

- طبعاً متأكد!


في مساء ذلك اليوم ارتديت قميص نومي المفضل، أبيض، حريري، شفاف، مزين بزهور وردية صغيرة. وقفت أمام المرآة وعلى وجهي ابتسامة سلام لم تدم طويلاً، فبمجرد أن رأيت ظل جسدي خلف القماش شعرت بلسعة الخرزانة أسفل قدمي.


٢٨ يونيو ٢٠٠٥

أسئلة في الشارع

في هذا المقال وضع عمرو عبد العليم علامات استفهام حول موضوع القوى المطالبة بالتغيير ولفت نظري إلى نقاط - هي في رأيي في غاية الأهمية - لم انتبه إليها من قبل.

٢٦ يونيو ٢٠٠٥

SHA3BY


Image hosted by Photobucket.com






موسيقى و غناء شعبي من الشمال الى الجنوب





جديد المورد الثقافي هو برنامج "شعبي" الذي يقدم ستة من أهم فرق الموسيقى و الغناء الشعبي من الصعيد و الدلتا و النوبة و قناة السويس. و يمثل هذا البرنامج نواة لمهرجان سنوي للموسيقى و الغناء الشعبي نأمل في أن يتسع و يتطور ليقدم أشكالاً متنوعة من الفنون الشعبية من مصر و خارجها في نفس الموعد كل عام. يقدم برنامج "شعبي" بالتعاون مع الهيئة العامة لقصور الثقافة و مركز المصطبة للموسيقى الشعبية و المركز المصري للفنون و تحت رعاية شركة دلتا ميديكال.





برنامج "شعبي" يقدم على مسرح الجنينة بحديقة الأزهر كل خميس و جمعة من 30 يونيو و حتى 15 يوليو 2005 على مدى ستة ليالي :





الخميس 30 يونيو : فرقة النيل للموسيقى و الغناء الشعبي. تعد هذه الفرقة التابعة لهيئة قصور الثقافة أشهر و أكبر فرق الموسيقى و الغناء الشعبي في مصر و هي وريثة الفرق الشعبية التي أسسها زكريا الحجاوي في الخمسينات و طورها سليمان جميل في السبعينات. يشرف على الفرقة الفنان عبد الرحمن الشافعي و تقدم الفرقة عروضها على مدار العام في مهرجانات دولية و اقليمية معروفة كما تضم نخبة من أفضل المطربين و العازفين في مصر. و يتضمن هذا الحفل أغاني و مووايل من تراث صعيد مصر.





الجمعة 1 يوليو: فرقة أشر و المطرب حسن الصغير من النوبة . يقدم هذا الحفل بالتعاون مع المركز المصري للفنون الذي يديره الدكتور / أحمد المغربي.





الخميس 7 يوليو : فرقة أراجيد و المطرب سيد جاير من النوبة. يقدم هذا الحفل بالتعاون مع المركز المصري للفنون الذي يديره الدكتور أحمد المغربي.





الجمعة 8 يوليو: فرقة البرامكة. تأتي هذه الفرقة من مدينة المطرية في شمال الدلتا و تستمد اسمها من عائلة البرامكة الشهيرة في التاريخ الاسلامي و التي تفرق نسلها و أتباعها في العالم الاسلامي بعد نكبة البرامكة في عهد الخليفة هارون الرشيد. أعضاء الفرقة التي تقدم أغانيها بمصاحبة الايقاع فقط هم جميعاً أبناء أسرة واحدة ، و تتنوع أغانيهم بين دينية و عاطفية و أغان للصيادين حيث يعمل معظم البرامكة في صيد السمك من بحيرة المنزلة. يقدم هذا الحفل بالتعاون مع مركز المصطبة للموسيقى الشعبية المصرية الذي يديره الأستاذ/ زكريا ابراهيم.





الخميس 14 يوليو: فرقة الطنبورة. واحدة من أكثر الفرق الموسيقية في مصر شهرة و جماهيرية ، تأسست في عام 1989 و تضم حوالي عشرين مؤدياً بين عازف و مطرب و راقص و تقدم الأغاني الخاصة بمنطقة قناة السويس و التي تؤدى بمصاحبة آلات السمسمية و الطنبورة. و بالإضافة الى حفلها الاسبوعي يوم الأربعاء في بور فؤاد ، تقدم الطنبورة حفلاتها في مصر و بلاد العالم المختلفة على مدار العام. و قد حصلت الطنبورة على جائزة المهرجان الدولي للأغنية و الموسيقى في كندا عام 2000 كما شاركت في مهرجانات هامة في السويد و فرنسا و بريطانيا و مالي و سويسرا. يقدم هذا الحفل بالتعاون مع مركز المصطبة للموسيقى الشعبية المصرية الذي يديره الأستاذ/ زكريا ابراهيم.





الجمعة 15 يوليو: فرقة النيل للإنشاد الديني. يحتفي الحفل الأخير في برنامج "شعبي" بأساتذة الإنشاد الديني الشعبي في منطقة الدلتا و الذين يطلق عليهم "الصييتة". هذه الفرقة تابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة و هي منبثقة عن فرقة النيل للموسيقى و الغناء الشعبي التي يشرف عليها الفنان عبد الرحمن الشافعي.





تبدأ جميع الحفلات في التاسعة مساءً . لمزيد من المعلومات أو لإجراء مقابلات صحفية يرجى الاتصال ب : محمد طلعت ت 0105755191




٠١ يونيو ٢٠٠٥

ستوكهولم


قالوا أنها جميلة فقلت أن كل من يسافر أوروبا يعود منبهراً أياً كانت المدينة، فلم أتوقع أي اختلاف بين ستوكهولم وبين مدن ألمانيا التي زرتها وأحببتها ... على كل حال دعاني صديقي لأزور المدينة وها أنا في الطائرة.

خرجت من المطار ونظرت حولي وكما توقعت الشوارع نظيفة والسيدات جميلات وأنيقات كما قيل عنهن .. تلك هي بلاد أوروبا الغنية.
الطريق السريع الذي سلكناه من المطار إلى المدينة كان طويلاً وجميلاً ... وعادياً.

دخلت المنزل المُنَمَّق ورحبت بي أسرته ترحيباً شديداً وانهالوا علي بالأحضان والقبلات والأسئلة: هل أنتي جوعانة؟ هل آتي لك بكوب من القهوة؟ اتركوها لترتاح فهي أكيد متعبة .. أُشعل لكِ المدفأة في غرفة النوم؟ .. الخ.
كان هذا هو أول اختلاف وجدته بين السويد وألمانيا. ومنذ تلك اللحظة تلاحقت الأحداث وأخذت المدينة الجميلة على عاتقها مهمة إبهاري كأنما عليها ندر إن لم توفيه احترقت!

بعد الترحيب والأكل والشرب والترحيب والأكل ومزيد من الترحيب خرجنا إلى حديقة المنزل الخلفية التي زرعت فيها الأم زهوراً وشجيرات تنبعث منها روائح الجنة، وطماطم في حجم التفاح – أكلنا منها فيما بعد- وشجرة فاكهة تشبه الخوخ لم تكن قد أثمرت بعد، وفي ركن من أركانها جلسنا على "مرجيحة" - لا تصدر أصوات "تزييق" عند الحركة - لنراقب الغروب...

خدرني لون السماء الذي لم أجد له تصنيفاً – برتقاليٌ ضاربٌ إلى الحمرة ممتزجٌ بخطوط زرقاء تميل إلى البنفسجي - وقاومت النوم الذي بعثه في الهدوء حتى لا أضيع لحظة من هذا المشهد الفردوسي. لكن جسدي أقوى من عقلي، وعندما يأخذ قرار فقدان السيطرة والاستسلام للنعاس – أو لأي ضعف إنساني آخر – حتى الطبل البلدي لا يستطيع أن يثنيه عن عزمه!
تخللت أحلامي مشاعر الذنب والأسف ... كيف تنامين وتتركين هذا المنظر؟
لكنني عندما فتحت عينيَّ وجدت المدينة تبتسم في وجهي قائلة بصوت رقيق دافئ –تشوبه بعض نبرات الفخر والاستعلاء الطفيفة – "الغروب عندنا يا عزيزتي يدوم ساعات كما يدوم الشروق ... يومنا في الصيف طويل وليلنا لا يعرف الظلام. فمازال يمكنك التمتع بالغروب حتى بعد أن نمتِ أكثر من ساعة"

ابتسمت تقديراً وانحنيت اعتذاراً وسلمت نفسي لها لتمارس عليَّ كل وسائل التعذيب الممكنة: رائحة الزهور في وسط المدينة، الوجوه المبتسمة في كل مكان، أشجار ذات ألوان لم أعرف بوجودها، أنغام وأحلام وعيون مشرقة متفائلة... القائمة لا نهاية لها، حتى فقدت السيطرة تماماً وهمت على وجهي في فضاءات وردية أغني كالشيوخ النشوانين في مقامات بيرم "يا أيتها المدينة الحنونة القاسية! كفى! لن يحتمل قلبي مزيداً من الجمال ... الحب والأمل والحلم أحمال فوق أحمال! كيف أعود إلى أهلي وأنا على هذا الحال؟!"

وبعد أيام طويلة من الغرق في النشوة والأحلام رق قلبها أخيراً. استيقظت من نومي بقلب منقبض مثقل بالتشاؤم ...
بالرغم من أنها لم تخبرني عندما اتصلت إلا أنني تيقنت أن مكروها ما قد أصاب أبي عندما سمعت صوت أختي.

****

طاب أبي قبل أن أعود إلى الوطن واستمتعت بباقي الرحلة وعدت إلى القاهرة بصور كثيرة وحكايات أكثر. صرت أحكي لكل الأصدقاء والأقارب عن ستوكهولم الساحرة بلياليها البيضاء وشمسها التي لا تغيب...

ومنذ ذلك الحين وأنا أعشق ضوء القمر.

٢٤ مايو ٢٠٠٥

هكذا قَصَّتْ وحَذَفَتْ وحَرَّفَتْ الدستور في النص


(كل ما حذف أو تم تغييره باللون الأحمر)


- سامية .. لابد أن تأخدينا اليوم في ال "لانش بريك" إلى "ذا سيتي أوف ذا ديد".
- لا تؤاخذوا جهلي ... لا أعرف عما تتحدثون!
- ماذا؟؟؟ ألا تعرفين "ذا سيتي أوف ذا ديد"! .. كل أصدقاءنا الذين زاروا مصر قالوا لنا أنه من أهم الأماكن التي يجب أن نزورها.
- حسناَ... انتظروا لحظة
- ألو؟ أيوة يا بسمة... ألا والنبي مين "سيتي أوف ذا ديد" دي؟
- .......
- بتضحكي على ايه؟؟
- .......
- انتي بتتكلمي بجد؟ طيب ودي عايزين يروحوا يعملوا فيها ايه؟
- .......

*******

في الساعة الثانية والنصف ظهراً بشارع عماد الدين:
- تاكس!
...
- تاكسي!
...
- تاااكس!!!
- الدرّاسة ياسطى؟
- ....
- أيوة عند المدافن ... انت عرفت منين؟؟
- "ماحنا ياما بناخد الأجانب هناك يا مدام ... دي منطقة "مُشَيّقة" جداً بالنسبة لهم".
(حورها الدستور إلى "شيّقة" مع حذف الميم. ربما اعتبرها خطأ إملائي أو لم يفهم النكتة أواعتبرها نكتة بايخه لكن الحقيقة المُرة إن السائق فعلا قالها "مُشَيّقة" ... أي والله)
من خلف زجاج السيارة صوبت الأستاذة الأستاذة ميلينا دراجيتشيفيتش (حذفوا الإسم - ربما لم يعجبهم - في حين أنني أعتبره مهماً لأنه يعزز الإحساس بالغربة وقلة الحيلة التي شعرت بها بطلة القصة لتواجدها مع أشخاص لا تستطع نطق أسمائهم )
، رئيس أقدم جامعة بأوروبا الشرقية، كاميرا فيديو باتجاه العشش التي احتلت حوش بعض المقابر باحثة عن ساكني مدينة الموتى. ظهرت سيدة مقرفصة أمام عتبة حوش و أمامها "طشت" مملوء بماء معكر. نظرت الينا بعينين متشبعتين بلامبالاة مألوفة واستمرت في "دعك" الغسيل.

- هل لدى هؤلاء الناس مياه نظيفة وكهرباء؟
- لا أعرف.... في الغالب...

وبعد جولة المدافن صمم سائق التاكسي أن نمر بجامع قايتباي ليطيل الرحلة أو على حد قوله ليتفرج عليه "السياح".
(ربما لم تعجبهم الجملة وربما لا تعجب أي أحد ولكن من أعطاهم حق الحكم والقص والتصليح)

دخلنا المسجد ولم يطلب منا أحد أن نضع منديلاً على رؤؤسنا كما حدث في آخر مرة ذهبت فيها إلى الحسين مع أصدقاء أجانب.

إطمأنت عيناي للإضاءة الخافتة وانعكس على قلبي هدوء المكان. سقف المسجد عال تحلق فيه عصافير القاهرة الرمادية الصغيرة. على يساري شبابيك ذات زجاج بقيت ألوانه ثابتة منذ القرن الخامس عشر وعلى يميني منبر خشبي بنقوش إسلامية دقيقة . أغمضت عيناي وتمنيت أن أخلد إلى النوم في هذا المكان الجميل ، جاءني صوت ميلينا تذكرني أننا يجب أن نعود الى العمل ففتحت عيني في تكاسل (لم تعجبهم أيضاً؟) ودرت بنظري في المكان مودعة فوقعت عيناي على ورقة صغيرة معلقة على أحد الجدران: "توجد بالمسجد أكفان رجالي وحريمي".

٢٣ مايو ٢٠٠٥

نقاش... فيما يبدو

المتكلم يتظلم و أحد المستمعين يسب ويلعن، يقف الأستاذ ذو السترة الرمادية ويتحدث بصوت عال ليسكت الآخرين، واحد يبكي وآخر يربت على كتفه والأستاذ ذو اللحية يطلب الكلمة وعلى جبينه كرمشات الغضب والزمان ... السيدة ذات النظارة الطبية تبتسم لمن يدير الندوة متوددة والشاعر ينهض متأففاً ويغادر المكان، على أحد أركان المائدة يجلس أستاذ يرتدي قميصاً وبنطلون جينز ناظراً إليهم في استعلاء ومدير الندوة يصرخ "يا جماعة .... يااااااا جماعة!!!"

يمر فراش الاستوديو العجوز وفي يده "مقشة" ... ينظر إليهم في أسى ويقول "جماعة إيه يا أستاذ؟ قال جماعة قال! ما جمع الاّ اما وفّق!"

١٨ مايو ٢٠٠٥

جريدة الدستور و نشر المدونات

أعزائي المدونين،

أريد أن أعرف رأيكم في موضوع نشر جريدة الدستور لبعض المدونات كل أسبوع. بالطبع هي فرصة جيدة للمواهب الشابة التي تحاول الوصول إلى جمهور أوسع ولكن هل يحق للدستور أن تنشر أي مدونة بدون استئذان سابق من صاحبها؟ وهل من اللائق نشر المدونة مع الاكتفاء بعنوانها الإلكتروني دون ذكر اسم الكاتب؟

عندما وجدت مدونة "تلك المدينة" منشورة في الدستور اليوم سعدت لأول وهلة ثم تملكني شعور سلبي لن أضجركم بوصفه الآن... ملخصه أنني شعرت أنه من حقي أن أوافق أو لا أوافق على نشر مدوناتي... ربما لا تعجبني الجريدة أو لا أتفق مع اتجاهاتها ولا أريد أن يحسب عليّ أن عملاً لي نشر فيها، أو ربما لا تعجبني طريقة عرض المدونة (ليس هذا بالضرورة هو الأمر ولكنه وارد!) أو ربما لست مستعدة لأن يرى أعمالي جمهور أوسع!

أرجو أن لا تجدوا بين سطوري غروراً أو فخراً زائداً بمحاولاتي التي أدرك تماماً أنها بدائية –لذا أطلق عليها محاولات- ولكنني أعتقد أن الكاتب أو مشروع الكاتب أياً كانت جودة كتابته يستحق بعض الاحترام أولاً بأخذ رأيه وثانياً بنشر اسمه.

٠٦ مايو ٢٠٠٥

تلك المدينة (بعد التعديل)


- سامية .. لابد أن تأخدينا اليوم في ال "لانش بريك" إلى "ذا سيتي أوف ذا ديد".

- لا تؤاخذوا جهلي ... لا أعرف عما تتحدثون!

- ماذا؟؟؟ ألا تعرفين "ذا سيتي أوف ذا ديد"! .. كل أصدقاءنا الذين زاروا مصر قالوا لنا أنه من أهم الأماكن التي يجب أن نزورها.

- حسناَ... انتظروا لحظة

- ألو؟ أيوة يا بسمة... ألا والنبي مين "سيتي أوف ذا ديد" دي؟

- .......

- بتضحكي على ايه؟؟

- .......

- انتي بتتكلمي بجد؟ طيب ودي عايزين يروحوا يعملوا فيها ايه؟

- .......

*******


في الساعة الثانية والنصف ظهراً بشارع عماد الدين:

- تاكس!
...

- تاكسي!
...

- تاااكس!!!

- الدرّاسة ياسطى؟

- ....

- أيوة عند المدافن ... انت عرفت منين؟؟

- "ماحنا ياما بناخد الأجانب هناك يا مدام ... دي منطقة "مُشَيّقة" جداً بالنسبة لهم".

من خلف زجاج السيارة صوبت الأستاذة ميلينا دراجيتشيفيتش ، رئيس أقدم جامعة بأوروبا الشرقية، كاميرا فيديو باتجاه العشش التي احتلت حوش بعض المقابر باحثة عن ساكني مدينة الموتى. ظهرت سيدة مقرفصة أمام عتبة حوش و أمامها "طشت" مملوء بماء معكر. نظرت الينا بعينين متشبعتين بلامبالاة مألوفة واستمرت في "دعك" الغسيل.

- هل لدى هؤلاء الناس مياه نظيفة وكهرباء؟

- لا أعرف.... في الغالب...

وبعد جولة المدافن صمم سائق التاكسي أن نمر بجامع قايتباي ليطيل الرحلة أو على حد قوله ليتفرج عليه "السياح".

دخلنا المسجد ولم يطلب منا أحد أن نضع منديلاً على رؤؤسنا كما حدث في آخر مرة ذهبت فيها إلى الحسين مع أصدقاء أجانب.

إطمأنت عيناي للإضاءة الخافتة وانعكس على قلبي هدوء المكان. سقف المسجد عال تحلق فيه عصافير القاهرة الرمادية الصغيرة. على يساري شبابيك ذات زجاج بقيت ألوانه ثابتة منذ القرن الخامس عشر وعلى يميني منبر خشبي بنقوش إسلامية دقيقة . أغمضت عيناي وتمنيت أن أخلد إلى النوم في هذا المكان الجميل جاءني صوت ميلينا تذكرني أننا يجب أن نعود الى العمل ففتحت عيني في تكاسل ودرت بنظري في المكان مودعة فوقعت عيناي على ورقة صغيرة معلقة على أحد الجدران: "توجد بالمسجد أكفان رجالي وحريمي"